بنت البلد الجدعة.. صاحبة مدرسة الرقص الشرقي التي تطمح الكثيرات إلى تقليدها، وصفها يوسف شاهين بأنها فنانة ولكنها مجنونة .. لا تخشى أحداً أو شيء... راقصة شرقية وممثلة ومناضلة معروفة بجرأتها، حياتها مليئة بالتقلبات بين صعود وهبوط إلا أن الفنانة تحية كاريوكا استطاعت أن تصنع اسماً لا ينسى مع الزمن حتى بعد رحيلها.

شقيقها ربطها في السرير وهربت لتصبح راقصة

تحية كاريوكا هو إسم الشهرة لبدوية محمد النيداني كريم والتي ولدت في 22 شباط/فبراير عام 1915 في محافظة الإسماعيلية، وانفصل والدها عن والدتها وهي في سن صغيرة، فلم تتحمل الحياة بسبب اعتداء شقيقها الدائم عليها بالضرب، فكان يربطها في السرير وكان يجبرها على خدمة زوجته، فقررت الهرب إلى القاهرة وهي في عمر ال15 عاماً ولم تكن تملك أجرة القطار، فقام الركاب بجمع الأجرة لها وذهبت الى صالة بيجو بالاس لتعمل مع الراقصة سعاد محاسن بأجر 3 جنيهات في الشهر، وتعرفت بعدها على الراقصة بديعة مصابني صاحبة الدور الأكبر في حياة تحية كاريوكا وهي التي اختارت لها اسم الشهرة "تحية ".

من كومبارس بـ3 جنيهات لتصبح الراقصة الأولى

في بداياتها تعاطف المدرب الأسباني ايزاك ديكسون مع تحية كاريوكا التي تمزقت بدلة الرقص الخاصة بها، فصمم لها رقصة "الكاريوكا" التي باتت تشتهر بها وبعد أن كانت ترقص في صالة رتيبة وأنصاف وبديعة مصابني براتب 3 جنيهات أصبحت تحصل على 100 جنيه في الشهر وباتت الراقصة الأولى، وتعلمت أيضاً رقصة الكلاكيت عند روجيه والرقص الشرقي من حورية محمد والصاجات من "نوسة" والدة نبوية مصطفى.

واشتركت بعدها في أول فيلم ظهرت به وهو "دكتور فرحات" في عام 1935 وبعدها قدمت فيلم "أجنحة الصحراء" والذي قام ببطولته الفنان حسين صدقي والفنانة راقية ابراهيم وقدمت رقصة في فيلم "الستات في خطر"، لتحقق نجاحاً وانتشاراً في فترة صغيرة، جعلتها القاسم المشترك للعديد من الأعمال السينمائية في هذا الوقت.

إبتسامتها سبب مشكلة "شباب امرأة" والملاية اللف في كان

تعتبر تحية كاريوكا من أشهر الراقصات اللواتي شاركن في التمثيل فوصل رصيدها لما يقرب من 300 فيلم اعتبرها المؤرخون من علامات السينما العربية، خصوصاً بعد اعتزالها الرقص في الخمسينيات والتفرغ للتمثيل، ومن أهم أفلامها "لعبة الست" أمام نجيب الريحاني، ولأنها رفضت الغناء في الفيلم قام الملحن محمود الشريف بتسجيل أغنية "يا خارجة من باب الحمام" في إحدى البروفات وفوجئت بها في الفيلم لتكون أول أغنية لها. و قدمت أفلام "رنة خلخال" و"ابن للإيجار" و"كيدهن عظيم" ومن الشخصيات الشهيرة التي قدمتها أيضاً "سمارة" و"حبيب قلبي" وقدمت شخصية "شجرة الدر" في فيلم "واسلاماه" .

في فيلمها الأشهر "شباب امرأة" 1956 تسببت ضحكتها في مشكلة للمخرج الكبير صلاح أبو سيف، لأن الشخصية كانت تظهر غاضبة في كثير من المشاهد فكان يلجأ لمدير التصوير لإثارة غضب تحية كي يتلافى ضحكة وجهها التي تفسد المشهد .

وهو الفيلم الذي شارك في مهرجان كان وذلك في العام نفسه الذي شهد العدوان الثلاثي على مصر، فأصرت تحية كاريوكا على حضور المهرجان بالملاية اللف وملابس شخصية "شفاعات" البطلة لتعكس شخصية البنت المصرية، فتهافت عليها المصورون ليلتقطوا لها الصور تاركين النجوم العالميين، فتلقت دعوة على الغذاء مع الممثلة الأميركية سوزان هيوارد التي تعمدت أن تتحدث بصورة سيئة عن مصر بصوت عالٍ ولم تدرك بأن تحية تجيد الإنكليزية والفرنسية، فردت عليها تحية بالعربية والإنكليزية، لينضم الممثل اليهودي داني كاي للموقف لتصفعه تحية على وجهه فيذهل الحضور، ورشحت تحية كاريوكا لتقديم فيلم هوليوودي في عام 1967 لكن مرض والدتها حال دون المشاركة العالمية التي عرضت عليها وكان من الممكن أن تغير حياتها الفنية.

وخلال مشوارها الفني، إستطاعت أن تقدم أدواراً متنوعة فكانت ترحب بدور الأم في أعمال مثل "أم العروسة" وأيضا "خلي بالك من زوزو" مع سعاد حسني، وآخر أعمالها كان "سوق النساء" و"يا تحب يا تقب" عام 1994.

بدأت المسرح مع إسماعيل ياسين وأسست فرقة مع زوجها

بدأت تحية كاريوكا مسيرتها المسرحية في عام 1954 مع فرقة إسماعيل ياسين في مسرحية "حبيبي كوكو"، كما قامت عام 1961 بتأسيس فرقة مسرحية خاصة بها مع زوجها "فايز حلاوة"، والتي قدمت من خلالها حوالى 18 مسرحية أشهرها "روبابكيا" و"يحيا الوفد" .

عملية جراحية بإسمها

أثناء عمل تحية كاريوكا بالرقص أصيبت بالزائدة الدودية، وطلبت من الطبيب المصري علي ابراهيم أن تخرج من ورطة التشوه الناتج عن العملية خصوصاً أنه لم يكن هناك عمليات تجميل متطورة مثل أيامنا هذه، فقام بالفعل بعمل جراحة لا تكاد أن ترى بالعين المجردة فسميت بإسم عملية "تحية" .

تزوّجت 14 مرة وحاولت الانتحار وزوجها استولى على شقتها

تزوّجت تحية كاريوكا 14 مرة فكانت ترفض إقامة علاقات خارج إطار الزواج ، الزواج الأول كان من أنطوان عيسى ابن شقيقة الراقصة بديعة مصابني وذلك في عام 1939، ولكنها انفصلت عنه بعد عام واحد فقط لتتزوج في العام نفسه من محمد سلطان باشا الذي كان واحداً من أثرياء مصر ولكنها انفصلت عنه بعد 6 أشهر حيث أصر على أن تترك الرقص.

وفي المرة الثالثة تزوجت من ضابط أميركي يدعى ليفي أشهر إسلامه لأجلها واصطحبها معه إلى الولايات المتحدة، ولكنهما لم يستمرا سوياً فترة طويلة.

الزواج الرابع كان من المخرج فطين عبد الوهاب، ولكنها انفصلت عنه بسبب غيرته الشديدة عليها، أما الزواج الخامس فكان من الفنان أحمد سالم الذي انفصل عن زوجته أمينة البارودي من أجلها وقد أحبته بجنون وسافرت إلى فلسطين وهناك ترددت شائعات قوية عن وجود علاقة بينه وبين اسمهان، فانفصلت كاريوكا عنه قبل العودة إلى القاهرة، لتتزوج مرة سادسة ولمدة شهرين فقط من حسين عاكف طيار الملك فاروق الخاص، أما الفنان رشدي أباظة فكان الزوج السابع وقد وجدته مع امرأة فرنسية في لبنان في شارع الحمرا تحديداً، فطلبت الطلاق بعد أن ضربت الفرنسية "علقة". وبعد أشهر عديدة تزوجت من أحد ضباط الملك البكباشي مصطفى كمال صدقي الذي اعتقل بعد قيام الثورة عام 1952 فانفصلت عنه.

أما الزوج التاسع لتحية كاريوكا كان الشاب عبد المنعم الخادم وكان مشهوراً بوسامته وثرائه الشديدين وتهافتت النساء عليه واستمرت معه خمس سنوات، ليطلب منها اعتزال الفن فانفصلت عنه في عام 1956، وبعد ذلك التقت البكباشي طبيب حسن حسين وتزوجته الزواج العاشر لكنها انفصلت عنه عندما علمت أن هناك مشاعر بينه وبين المطربة اللبنانية صباح، ووقتها حاولت تحية كاريوكا الإنتحار وأخذت الكثير من الحبوب ليتم إنقاذها في المستشفى وقررت الإضراب عن الزواج ثلاث سنوات.

كما تزوجت تحية كاريوكا للمرة الحادية عشرة من المطرب محرم فؤاد ولكنها لم تستمر معه أكثر من 6 أشهر، أما الزوج الثاني عشر فكان أحمد ذو الفقار صبري الذي تزوجته لمدة عام فقط، و كان زوجها الثالث عشر الكاتب المسرحي الراحل فايز حلاوة وبقيت معه 18 سنة وانتهى زواجهما بمشاكل وخلافات وصلت إلى القضاء حيث استولى على شقتها واضطرت أن تعيش فترة عند إحدى صديقاتها وكانت بلا مأوى، وتزوجت آخر مرة وهي الرابعة عشرة من المخرج حسن عبد السلام حتى وفاتها.

تبرعت بمجوهراتها للجيش المصري وجمال عبد الناصر اعتقلها

في الوقت الذي سعت فيه راقصات عديدات للتقرب من رجال السلطة، رفضت تحية كاريوكا الرقص أمام كمال أتاتورك بسبب إهانته للسفير المصري مما جعله يمنعها من دخول تركيا، وإنتقدت الرئيس جمال عبد الناصر فقام بإعتقالها، كما أخفت المفكر اليساري الراحل أنور عبد الملك، بعد هروبه من السجن في فترة حكم عبد الناصر، داخل منزلها وساعدته في الهرب خارج البلاد. وفي عام 1955 أعلنت أنها ستتبرع بمجوهراتها لتسليح الجيش المصري، وطلبت من جميع أصدقائها ضرورة التبرع لمساعدة الجيش، وخلال عصر الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، أيدت تظاهرات الطلبة في السبعينيات ودعمتهم مادياً، وفي عام 1981 شاركت في المؤتمر الذي أقامته منظمة التحرير الفلسطينية في قبرص، لدعم الانتفاضة الفلسطينية وجمعت أموال وسافرت إلى لبنان لجمع التبرعات لها، كما أسست جمعية برئاستها لمقاطعة الأفلام والنجوم ذوي الميول الصهيونية.

تبنت طفلة قبل وفاتها

رغم أنها صاحبة الرقم القياسي في زواج الفنانات، لكنها لم تنجب أطفالاً فقررت أن تتبنى طفلة وجدتها أمام شقتها في الدقي، وأسمت هذه الطفلة "عطية الله" وبعد أن اشتد عليها المرض طلبت من الراقصة فيفي عبده رعاية الطفلة، وبالفعل انتقلت للعيش معها وترفض فيفي الحديث عنها، وإعتبرتها ابنتها الثالثة.

وقد توفيت تحية كاريوكا في 20 أيلول/سبتمبر عام 1999 في المستشفى، بعد تعرضها لجلطة في الرئة، وكانت قبلها قد عادت من رحلة العمرة.