في منطقة تحتضن الوافدين إليها خلال المواسم الاربعة، "قرية الغزلان" كفردبيان، ومن أمام أطلال قلعة فقرا الأثرية التي شمخت أعمدتها فوق مسرح المهرجان الذي يستقبل في ثاني أيامه عازف البيانو الأرجنتيني ​راوول دي بلازيو​ وفرقته القادمة من أميركا والمكسيك والبرازيل وإيطاليا والأرجنتين ومن لبنان، بدأ الحفل عند التاسعة والنصف مساء، تماما كما كان مقررا احتراما للوقت والحضور.

دخل دي بلازيو بخفة الى المسرح واعطى اشارة للفرقة وانطلقت الرحلة الى ما لا نهاية، هو الذي يريد البقاء أربع الى خمس ساعات متواصلة يعزف ويغني ويتحدث الى الحضور، فهو متمسك بهذه الأرض التاريخية والتي تعني له الكثير على حدّ قوله، مغرم بعادات اللبنانيين واهتمامهم بالضيوف يريد امضاء الوقت معهم قدر المستطاع، برز بينهم حضور وزير السياحة افيديس كيدانيان ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل والسيدة منى الهراوي ورئيس بلدية كفردبيان الدكتور بسام سلامة.

في تلك الليلة لو كان للنوتات حروف لكان الجمهور غنى وردد كلماتها، إلا أنهم اكتفوا بالدندنة. استهل وصلته وقدّم أغنية معروفة "La boheme " للفنان العالمي ​شارل أزنافور​ وطلب من الجمهور الغناء معه. هذه الأغنية شكلت نقطة تحوّل في المهرجان حيث بدأ الجمهور يغني ويرافق دي بلازيو على وقع الموسيقى. يكتفي بالاحساس في عزفه من دون النظر الى مفاتيح البيانو التي أصبحت مرسخة في الذاكرة.

عزف اغنية "Mon amour" للفنان ريتشارد أنطوني او "لبيروت" بالنسخة الرحبانية و"Luna Paris". يأخذك في انسجامه بالعزف، تارة يعزف ببطء وتارة أخرى يتملكه الجنون ويحبس أنفاس الجمهور.

يكشف دي بلازيو أنه متعلق بأرض وشعب هذا الوطن وبتاريخ قلعة فقرا ويقول "لابد أن أعترف لكم بأن لدي مشكلة... لقد جلت العالم بأسره، أحيانا هذه العناصر أي الصوت والإضاءة والمكان والجو لا تكون ساحرة كما هي اليوم في هذا المكان ... هل علمتم ما هي المشكلة؟ أمام هذا الحضور والفرقة الموسيقية الآتية من أميركا والمكسيك وايطاليا والأرجنتين ولبنان لن أرغب أبدا بالرحيل من هنا. هذه هي مشكلتي الآن، ستطلبون مني الذهاب وأنا لا أريد. فكم من الوقت ستتحملون هذا الحفل؟ 5 ساعات؟ سأضع قلبي بين يدي وسأقدمه إليكم".

طرافة راوول دفعته للمزاح مع عازف الساكسوفون الذي أصبح أبا منذ أيام فقال له "هل تعلم من هو والد الطفل؟". أما للصقيع دواء عند راوول في كل مرة يطلب من العازفين القادمين من المكسيك ارسال إيقاعاتهم التقليدية السريعة ليرقص الجمهور، وقال راوول "الناس يتجلدون" اعزف شيئا من البرازيل أو من المكسيك" لا ملل على الإطلاق مع الدي بلازيو.

وردّاً على سؤال :ما هو البلد الأفضل بثقافته ؟ يجيب إنه لبنان، لأن كل واحد هنا يستطيع التحدث أقله ثلاث لغات، "أما أنا"، ويتابع ممازحا "فأتحدث اللغة العربية بطلاقة لكن ليس الليلة".

"وعندما جئت الى لبنان في العام 1993 لم أصدق مدى إظهار الناس لحبهم لي، هذا المكان يجب أن يشهد عليه العالم بأسره فقررت في الأيام المقبلة التي سأبقى فيها هنا أن أصور فيديو لأغنية لي حتى ينتشر في كل مكان، وأنتم تستحقون أن يراكم العالم".

وعلى وقع الموسيقى الهادئة تابع متحدثا عن لبنان، فعندما قرر المجيء الى هنا قال له أصدقاؤه إنه مجنون لانه سيذهب ولن يعود أبدا خوفا من الأوضاع التي كانت سائدة في تلك الفترة. عندما جاء الى لبنان ورأى بيروت مختلفة تماما عما سمع عنها الجميع "يريد أن يرضيني من حولي عند الطعام يريدون مني أن أتناول من مأكولاتهم اللبنانية" وتابع حديثه عن الضيافة اللبنانية، وأشار الى أن الجميع عليه أن يستمتع بهذه التجربة.

لذلك شاء أن يبرز تاريخ البلد من خلال قلعة فقرا وطلب من صديقه أن يصور فيديو كهدية للبنان بعد 23 عاما عن مجيئه إليه.

لم يأتِ راوول فارغ اليدين، بل حضّر مفاجآت عديدة، إحداها العازف الارجنتيني غابرييل فرنانديز الذي يعزف على آلة الـ Bandoneon الصعبة بمهارة وهي من الآلات الأساسية للتراث الأرجنتيني على إيقاعات التانغو والفالز. فبدل سترته مع عزفه الـ Cumparsita ، وإستعان بسترة مذهبة ملفتة أكثر من سترته السوداء السابقة.

بعدها قدم مفاجأته الثانية وهي العازفة غنوى نمنم من لبنان، والتي اختارت آلة القانون تيمنا بوالدها، أما المفاجأة التالية فكانت إثر تحدثه عن صداقته مع الفنان الياس الرحباني، وعاد ليستذكر تعاونه مع الموسيقي ميشال فاضل الذي صعد الى المسرح وعزف ديو الى جانب دي بلازيو، هما اللذان لا يفترقان أبدا في المهرجانات منذ عام 2015 في كل مرة يحضر فيها ديبلازيو الى لبنان.

قصص راوول الطريفة لا تنتهي، يروي حادثة صغيرة على المسرح أمام صديقه غابي قسيس الرجل الذي انقذ موقفه في حفلة له في الأردن عندما كان يعزف والحضور لا يتفاعل، يقلد صديقه قائلا إنه وقف في تلك الليلة أمام البيانو سأله كم تريد مقابل عزفك أغنية La Paloma فحرر له شيكا بقيمة 100000 يورو مقابل ذلك، عندها طلب غابي يد زوجته ورقص معها أمام الحضور، فرحب الجمهور بالفكرة، ودعا الجميع الى الرقص، حينها أنقذ صديق راوول حفله.

في المحطة الأخيرة اختتم راوول سهرته بإهداء معزوفة الى حبيبته وملهمته فقال :"أريد ان اقدم لها اغنية هي الحب الذي لا ينتهي وأسميها القصة الاخيرة".

في كفردبيان لن ننسى ضحكات راوول دي بلازيو وطرافته وموسيقاه، لن ننسى جمال قلعة فقرا وأعمدتها الصامدة، رغم مرارة الأيام.