صوت ​فيروز​ الذي صدح يوماً في العالم، يبعث بأحلامنا نحو أعلى المقامات، هي الشخصية التي جمعت الأداء والجمال، هي التي غابت عنا يوماً، وبقي صوتها يرسم في أذهاننا سيمفونيات من الحب، ويشعل قلوبنا ببسمة، وأمل رؤيتها بيننا مجدداً، تزرع مجداً في وطننا، كما فعلت دائماً، وتبعث فينا ضحكات المستقبل الواعد، وروح القوة والصمود، والبسمة رغم الألم، والعز بعد الإنكسار، والإنتصار بعد الهزيمة، والتحدي بعد التردد.. هي فيروز، القوت اليومي لكل الأجيال.
هي عظمة لا تنتهي، وعز لا ينضب، وحقيقة لا تزول، وضمير جعل لبنان يسمو، وهي همزة الوصل التي ربطت بلدنا بالعالم، هي من رفعت الفن عالياً، وضمته، ورفضت أن ينكسر يوماً، هي كلمة من خمسة حروف تلحّن، هي فيروز.
تعيش فيروز اليوم في بيتها في منطقة الرابية، برفقة ابنتها ريما، مع ذكريات الأمس، وحكايات النجاح، وحنين الاشتياق.

بدايات فيروز

نهاد رزق وديع حداد، هو الاسم الحقيقي للسيدة فيروز من مواليد 21 تشرين الثاني/نوفمبر 1935 في بيروت. هذا التاريخ كان عادياً حينها، إلى أن صدح صوت فيروز في لبنان والبلاد العربية والغربية، فغنت أروع القصائد والألحان، وأصبحت واحدة من رائدات الغناء في الوطن العربي، وغيرت مسارات الأغنية اللبنانية، ونقلتها إلى مصاف المراتب الأولى عالمياً.

عرفت فيروز النجومية من خلال كيان بنته لنفسها، لا يقصده سوى من أحبها بصدق، فكانت هذه المساحة، أولى خطوات الصمت، وأنغام البدايات.

نشأة فيروز

نشأت فيروز وترعرعت في منطقة زقاق البلاط في بيروت، في حي شعبي، من عائلة سريانية كاثوليكية، ويقال إن نسب والدها يعود إلى مدينة ماردين التركية، وكان يعمل في مطبعة "لوريان لوجور Lorient Le Jour" الصحيفة اللبنانية الصادرة باللغة الفرنسية، أما والدتها السيدة ليزا البستاني، فهي مسيحية مارونية، توفيت في اليوم نفسه الذي سجلت فيه فيروز أغنية "يا جارة الوادي" لموسيقار الأجيال ​محمد عبد الوهاب​. برزت موهبتها الغنائية في سن مبكرة، خلال دراستها الإبتدائية، فكانت بارعة في أداء الأغاني الوطنية، والأناشيد المدرسية، لتنال تكريمها الأول بلقب "أجمل صوت" وهي في الخامسة من عمرها. نشأت فيروز في أسرة فقيرة محافظة، ومن شدة عشقها للفن، كانت تسترق السمع إلى الأغاني الأصيلة، فهذبت سمعها على أغاني محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وأسمهان وليلى مراد. سمعها في إحدى الحفلات المدرسية الملحن ​محمد فليفل​، فطلب منها الالتحاق بالمعهد الموسيقي الذي كان يدرّس فيه، إلا أن والد فيروز رفض الموضوع كلياً، وبعد مفاوضات، اقتنع، بشرط أن تغني الأناشيد الوطنية، وأن يرافقها شقيقها جوزيف إلى المعهد، حيث تدرس أصول الغناء والنوتة.

البدايات في ​إذاعة لبنان

فيروز أيقونة الغناء، التي لا تكل ولا تمل من عمل سخرت نفسها لأجله، وكما ذكرنا سابقاً، إنطلاقتها من إذاعة لبنان كان خطوة النجاحات الأولى، وحازت على إسمها الفريد هناك، الذي أطلقه عليها الموسيقار ​حليم الرومي​. انضمت فيروز في شهر شباط/فبراير عام 1950، إلى فرقة فليفل في إذاعة لبنان، وكانت تحلم بأن تكون من ضمن كورس الإذاعة، فاستمع إلى صوتها رئيس القسم الموسيقي آنذاك حليم الرومي، وعرض عليها أن تكون ضمن كورس الإذاعة، وكان أول راتب تقاضته حينها 100 ليرة لبنانية. وأول أغنية خاصة لها "تركت قلبي وطاوعت حبك"، غنتها في الإذاعة عام 1950، ولكن لم يتم تسجيل الأغنية حينها، من كلمات ميشيل عوض، من ألحان حليم الرومي، الذي أطلق عليها لقب "فيروز"، لأن خامة صوتها فريدة من نوعها.
كانت فيروز الوحيدة التي فرضت نفسها بين فتيات الكورس في الإذاعة، وأول من لحن لها لحناً خاصاً كان حليم الرومي، أغنية "تركت قلبي وطاوعت حبك"، من كلمات ميشيل عوض، التي غنتها فيروز في الإذاعة عام 1950، ولكن لم يتم تسجيل الأغنية حينها، ولحن لها بعدها حليم الرومي أغنية "عاشق الورد من كلمات محمد السباع"، كما لحن لها جورج فرح (رومبا الجمال / أين حبيبي)، وجورج ضاهر لحن ( نشيد المهاجرين ) وبعدها تعاونت مرة جديدة مع الرومي في أغنية (تركت قلبي وطاوعت حبك).


لجنة إذاعة لبنان وفيروز

لم يكن الأمر سهلاً في إذاعة لبنان، خصوصاً لناحية الإمتحان أمام لجنة متمكنة ومؤلفة من ملحنين وموسيقيين وشعراء. قدمت فيروز أمام هذه اللجنة أغنية (يا ديرتي لأسمهان)، وغنت أيضاً (يا زهرة في خيالي لفريد الاطرش)، لتخطف بصوتها قلوب من سمعوها، وعلى رأسهم حليم الرومي، لتغني أيضاً قبل أن تدخل عصر الأخوين رحباني، فقدمت أغنية (يا حمام يا مروح بلدك) التي كتبها فتحي قورة، ولحنها حليم الرومي، ثم غناها فيما بعد صباح فخري وإلهام المدفعي.
بعد هذه المرحلة، أخذت فيروز حيزاً في العالم الفني، بإنطلاقة جديدة على يد الأخوين رحباني، إذ قال عاصي الرحباني في إحدى إطلالته عبر إذاعة لبنان :"دعاني حليم الرومي إلى مكتبه وعرفني على صبية يافعة بيدها كتاب، ومعها والدها، فكانت المرة الاولى التي ألتقي بها بفيروز، ثم طلب مني أن أدربها على الغناء، فلم يعجب يومها شقيقي منصور بصوتها، وبعد فترة وجيزة من التدريب، لمعت فيروز لمعاناً مدوياً في عالم الغناء، خصوصا بعد نجاحها في أغنية "وقف يا أسمر".
لم تتوقف فيروز عند هذا الحد، فكان لها سجل حافل من الأغاني لإذاعة لبنان يفوق الـ 3000 أغنية، منها :"يا قلب حاج تنوح / نحن البنات/ أحبك مهما أشوف منك / سامبا الكروم مع جورج عازار/، بالإضافة إلى العديد من الأغاني غير المنشورة، أو غير مسجلة، في آواخر الأربعينيات من القرن المنصرم، والتي بثت مباشرة على الهواء.