علّمتنا بيروت أنها جبّارة، فبرغم الجراحات التي تصيب جسدها إلا أنها تجابه بالصوت والصورة والعمل الفنيّ.

وكانت قد شهدت بداية هذا الشهر افتتاح فعاليات الدورة الثالثة لـمعرض الفن العربي ARAB ART FAIR الذي حمل شعار " إيمانا بلبنان وبأنّ الحياة لا بدّ أن تستمرّ".

دورة العام 2023 شهدت مشاركة الفنانين التالية أسمائهم، وذلك حسب الترتيب الأبجدي: أنطوان منصور، آية تللو، إيناس نويهض، جان صقر، جيهان الحاج، حكمت نعيم، دريد كيوان، رباب ملاعب، رلى الدلة، رنا يحفوفي، روى غصوب، ريما علم الدين، زهراء سبيتي، سامر أبو حمرا، سناء جابر، سيما المدرّس، سيمون صفير، صفاء بزي الصغير، علي زين الدين، علي شمس الدين، كريكور نوريكيان، لمياء الخوري، لورا طالب، ليلى القانصو، ليلي حجازي، لين كمال، مارون مخول، مايا فارس، مريم حجيج، ميساء سرحان، نور جواد، والياس خليفة.

معرض الفنّ العربي الذي بدأ مسيرته عام 2019، والذي يحمل رسالة جعل الفنّ قضيّة وطنيّة عامة، وبمتناول جميع أفراد المجتمع. نُظّم في بيروت في تشرين الثاني / نوفمبر 2023 على رغم الظروف الآنية والصراعات الإقليميّة إيمانًا بالفنّ وبأهميّة المجابهة بالعمل، وبأن تبقى بيروت عاصمة للفن والثقافة والإبداع.
"معرض الفن العربي" مناسبة سنوية مع الفنّ والإبداع العربي، ينتظره محبو الفنّ لمشاهدة أبرز الأعمال الفنيّة، ولحضور الندوات الثقافيّة، وهو مناسبة لملاقاة الفنانين والمقتنيين ومحبو الفنون وجهًا لوجه.

فعاليّة هذا العام شارك بها فنانون في الرسم، والنحت والتصوير الفوتوغرافي، وحياكة النسيج، والموزاييك من: لبنان وسوريا، وقطر، ومصر؛ وضمّت أيضًا أكثر من ستة عشر متحدثٍ ومشاركٍ في برنامج الندوات التي تجري بالموازاة مع المعرض، حيث شملت أسماء هامّة ووجوه بارزة في الفنّ والإعلام والتربية والأعمال.

البداية كانت بافتتاح فرح حضره وجوه فنيّة اعلاميّة، ومجتمعيّة بارزة، زارت أجنحة المعرض التي توزّعت على الفنانين المشاركين بأسلوب راقٍ، ثم بدأت أعمال الندوات والتي كانت باكورتها مع ندوة محورها الفن والاعلام، في محاولة من المحاضرين للخروج بإجابة عن اشكاليّة: أين الإعلام العربي من الثقافة والفن!؟ الجلسة التي أدارها الإعلامي شادي معلوف مدير البرامج في صوت كل لبنان قارب فيها اللحظة الآنيّة: "في زمن الانهيارات والحروب والمآسي تتراجع اهتمامات الاعلام بالثقافة والفنون الى المراتب الدنيا، لصالح تغطية الحدث الآني السياسي او الأمني أو الاقتصادي والمالي. فهل نطرح السؤال هذه الليلة في الزمان المناسب؟ يقيني، ايها الكرام، أنّ الحياة لا بدّ فعلاً أن تستمر في كل الحالات، وإن بأشكال وتفاصيل مختلفة تبعًا لظروف اللحظة التي نعيشها. ومَن أكثر من اللبنانيّ إدراكًا، عن خبرات وتجارب ومحن، لحقيقة ما أقول. ففي عزّ الأزمات والحروب والقتل والدماء كان لبنان يُزهر صحفًا ومجلّات ويضيء قنوات تلفزيونية وإذاعية ويتوالد مسارح وقاعات معارض ويتألق مسرحيات ومهرجانات ويصدر كتبًا، وسواها من مظاهر الإصرار على الحياة والعيش بازدهار وفرح رغم الأمر الواقع.. وكم من فسحة هدنة استغلّها أهل لبنان لإطلاق دويّ الإبداع في زمن انكفاء دويّ القذائف والانفجارات، ولو موقّتًا."

ثمّ تحدّث الإعلامي زاهي وهبي حول أهميّة إيلاء الثقافة والفنّ مساحةّ في البرامج التلفزيونيّة: "لا نعتقد أن أمةً تستطيع النهوض والتقدّم ما لم تحترم ثقافتها ومثقفيها، بل ما لم تحترم الثقافة الإنسانية كلها، خصوصًا وأنا بتنا نعيش عصرًا تتداخل فيه الثقافات وتتلاقح بشكل غير مسبوق. ولا غلو في القول إن أبرز أسباب الجحيم الذي وقعنا فيه هو عدم إيلائنا الثقافة بما تعنيه من علِم وفكر وأدب وفنّ الأهمية الواجبة والضرورية."

كذلك كانت كلمة للكاتب والإعلامي ميشال معيكي عن البرامج الثقافيّة على القنوات اللبنانيّة بين ايجابياتها واشكالياتها وعن آليات تطوّرها وتقدّمها.

ثم كان مسك الختام مع الكاتب والناقد الفنّي محمد شرف عن دور النقد الفنّي في صحف اليوم: "(...) وان دور النُقاد عندنا يصبح ذا قيمة لكونهم يشكلون صلة الوصل المفروضة ما بين العمل الفني والجمهور".


وكانت الحلقة الثانية من ندوات معرض الفنّ العربي عن اقتناء الأعمال الفنيّة بين أهميتها وفلسفتها في واقع المرحلة، والتي أدارها الفنان التشكيلي علي شمس الدين حيث تطرّق في مقدمته: "لا يمكن أن تكتمل دورة الفن التشكيلي وتنهض بمهمتها الثقافية المرصودة لها، بدون وجود قطبيها الاساسيين: الفنان من جهة، والمشتري من جهة ثانية. (...) وان بمقدور الجميع من المهتمين تقريبا أن يشتري رواية أو ديوان شعر ويصبح ملكا له؛ ولكن ليس بمقدور إلا القلة القليلة أن تستحوذ على عمل فني مقابل مبلغ قد يعادل أضعاف راتبه الشهري. (...) هل تزيين جدران البيوت والمكاتب والشوارع الذي يخفف عنا وطأة الاماكن المتشابهة ويحرك فينا ذلك الخيال الذي يبحث عن نوافذ ينطلق منها إلى عوالم أخرى هربا من الروتين الفكري والبصري لحياتنا اليومية، يستحق هذا التكريم المادي؟"

ثمّ تحدث أستاذ مازن سويد رئيس المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان، وجامع أعمال فنيّة عن الفن والاقتصاد: " (...) وفي عالم الأعمال، الفنّ هو ملاذ للاستثمار، حيث يجدر أن يتم توزيع محفظة الاستثمارات بناء على نسب منها أن ستين في المئة في الأسهم، وثلاثين في المئة منها في سندات الخزينة العالميّة، وخمسة في المئة في العقار، وخمسة في المئة في أصول أخرى منها الفنّ... ومن هنا إذا كانت ثروات العالم عدة تريليونات من الدولارات، فإن قيمة ما يجدر انفاقه على الفنّ يكون بمليارات الدولارات."

ثم تحدثت السيدة رحاب أيوب وهي سيدة أعمال ومُنتجة أفلام وجامعة أعمال فنيّة تحمل الجنسيتين السوريّة والأردنيّة: "ان عمليّة اقتناء الفنون ليست فقط لتزيين جدران المنازل، بل هي فعل تضامني مع الثقافة المحليّة والتي نهتم لها؛ والمقتني عمله المحافظة على الإرث ونشره بما تمكّنه قدراته الماديّة، ويجب على كل مقتني نشر مقتنياته في مناسبات فنيّة من أجل اظهارها للجمهور العام وذلك بغية نشر أثرها لا أن تبقى حبيسة جدران منزله." ثم تحدث الأستاذ سعد يكن وهو فنان تشكيلي ذو تجربة فنيّة تمتد لستين عامًا كان قد أقام أكثر من خمسين معرضًا فردياً، وهو أيضًا المستشار الفنّي لمعرض الفنّ العربي لثلاث دورات متتالية: " الفنان تجربة انسانيّة قائمة بحدّ ذاتها، واللوحة لا يمكن فصلها عن الواقع، فالفنان ابن مجتمعه ومعبر عنه من خلال الأعمال التي يقوم بها، وليس له صلة بآلية السوق وحركة البيع والشراء بل هذه مرحلة تتبع. (...) والفنان يجدر أن يكون له موقف انساني، مجتمعي وسياسي، لا يمكن فصل ذاته عن المجتمع ولا فصل أعماله، بل أعماله هي مرآة لذاته وللمجتمع الذي يعيش فيه. (...) وقد تكون مشكلة الفنان الأساسيّة وجود أميّة فنيّة، حيث لا يوجد عين لمشاهدة الأعمال الفنيّة وهذه لا يجدر أن تكون على عاتق الفنان بل على عاتق الحكومات ووزارات الثقافة والتربية والمؤسسات التعليميّة، هي من عليها بناء ذائقة فنيّة لدى الجماهير. (...)."

وكانت من بين الزائرات في معرض الفن العربي الإعلامية مهى سلمى.

معرض الفنّ العربي –ARAB ART FAIR فعاليّة مميّزة تحمل الزائر في رحلة بين أعمال فنيّة غنيّة بأساليب وأنماط مختلفة، حيث يجد فيها كل فرد نفسه، هو أيضًا فرصة للعائلة بتعرّف أفرادها على الفنّ وزيادة الاهتمام به، وفرصة للمؤسسات التعليمية بزيارة طلبتها فعاليّة ثقافيّة فنيّة تغني أنفسهم وتنقلهم إلى عالم جماليّ.