شهد شارع سرسق في الأشرفية أجواء من الفرح والتفاؤل، وذلك بمناسبة إعادة إفتتاح متحف نقولا إبراهيم سرسق، بعد إنجاز أعمال التأهيل، بحضور سفيري فرنسا وإيطاليا وشخصيات سياسية ودبلوماسية ودينية وثقافية وإجتماعية. تميز المتحف بهيبة ووقار، وأضفت أعمال الترميم جمالاً إلى واجهته، حيث إستعاد الزجاج الملون رونقه، والسلالم التي تعانق المدخل الرئيسي تزينت بالأزهار البيضاء، فكان المدعوون في الباحة أمام جمال وعظمة لا تتكرران.

وألقى رئيس لجنة متحف سرسق ورئيس جامعة القديس جاورجيوس الوزير السابق طارق متري، كلمة رحب فيها بالحضور إلى متحف التنوع والإنفتاح، وشكر كل المتبرعين والهيئات الرسمية والمؤسسات التي ساهمت في تغطية تكاليف ترميم البناء واللوحات. بعدها توالت تباعاً كلمات مديرة هيئة الثقافة والطوارئ في اليونسكو كريستا بيكات، وسفيرة إيطاليا نيكوليتا بومبارديير وسفيرة فرنسا آن غريو.

وكان لافتاً ما قالته السفيرة غريو: "فرنسا أعلنت مساهمتها في إعادة إعمار المتحف في سرسق لأننا نحافظ على التعددية والحرية في هذا الشرق، ومن أجل الوقوف إلى جانب الشباب اللبناني، وسنستكمل العمل في القطاع الثقافي.

وعن العدالة أكدت السفيرة: "فقط العدالة يمكن أن توفر بعض الراحة لعائلات الضحايا، ولن يكون هناك انتعاش وإعادة إعمار للبنان، في ظل إفلات من العقاب، وبلا عدالة".

وكان وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال محمد وسام المرتضى تفقد قصر سرسق، ورافقته مديرة الثقافة وحالات الطوارئ في اليونسكو كريستا بيكات، والسفيرة السويسرية في لبنان ماريون وايشيلت، ومديرة مكتب اليونسكو الإقليمي في بيروت كوستانزا فارينا، وذلك للإطلاع على آلية سير أعمال الترميم في هذا المعلم التراثي - التاريخي، الذي تعرض لأضرار جسيمة جراء إنفجار مرفأ بيروت.

وقال الوزير المرتضى: "إن انخراط المكتب الفدرالي السويسري للثقافة بالتعاون مع اليونيسكو والدولة الإيطالية، بإعادة الألق إلى قصر سرسق، يتعدى ترميم الحجر على أهميته، ويطال ترميم دور لبنان الثقافي والحضاري، الذي كان وما زال وطنًا يرتحلُ الجمال إليه من كل العالم".

وأضاف: "قصر سرسق هو ضمير وقلب الثقافة اللبنانية، من هندسته المعمارية يتدفق التنوع، وينبع الحوار ويتدلّى الجمال في أرجائه، وسط زحمة مواعيد التلاقي بين الفن والأدب بكل أطيافهما، وما عودته القريبة على أيدي شركاء انقاذه، إلا فعل إيمان أممي، بأن روح القصر عادت إليه، وأنه سيعود ليملأ الدنيا ويشغل الناس من جديد".

وألقى المدير العام للتراث والعمارة في فرنسا جان فرنسوا هوبير، كلمة بالمناسبة، وكذلك نائبة رئيس جمعية أليف الفرنسية بريزا خياري، وكلمة الختام كانت لمديرة متحف سرسق كارينا الحلو.

وبعدها قدمت جوقة جامعة القديس يوسف وصلات فنية، وبعد إستراحة قصيرة، فتح المتحف أبوابه لإستقبال المدعوين والزوار، وتزامن الإفتتاح مع تقديم خمسة معارض هي: The Salon d’Autommne and the National Canon- Beyond Ruptures - Earthly Praxis - Ejecta - Beirut Recollections.

تاريخ عريق

قام ببناء المتحف نقولا إبراهيم سرسق عام 1912 في "حي السراسقة" في بيروت، الشهير بقصوره ومبانيه الفخمة. دفعه عشقه للفنون إلى أن يوصي بنقل ملكيته إلى مدينة بيروت بعد وفاته، على أن يتحول إلى متحف لنشر الثقافة ودعم الفنانين اللبنانيين والترويج لأعمالهم. انتقلت ملكية القصر بناء على وصية صاحبه، إلى بلدية بيروت عام 1952، إلا أنه لم يتحول إلى متحف في مرحلة أولى، بل إلى مضافة رسمية لاستقبال الملوك ورؤساء الدول، في عهد الرئيس كميل شمعون، عاد وتحول إلى متحف في عام 1961 مع افتتاح "معرض الخريف" الذي أصبح تقليداً سنوياً، وضمت مجموعته الدائمة أكثر من 1500 قطعة، بما في ذلك لوحات ومنحوتات ومنسوجات، إضافة إلى أكثر من 30 ألف صورة وبطاقة بريدية ومخطوطة قيمة.

الدمار بعد الإنفجار

متحف سرسق لم يسلم من الدمار الذي سببه إنفجار 4 أغسطس/ آب 2020، إذ أصاب 70 بالمئة من مساحته، حيث تحطمت نوافذه الزجاجية ولوحاته الخشبية وانهارت سقوفه، كما تحطمت أكثر من 50 قطعة فنية فيه. وفي 15 مايو/ أيار الجاري، أعلنت اليونسكو في بيان، إتمام مشروع إعادة تأهيل متحف سرسق بمبلغ مليون يورو تبرعت به إيطاليا. وكان المتحف قد تلقى دعماً مباشراً من فرنسا في المرحلة الأولى لإعادة التأهيل، وفق اليونسكو.