في تاريخ الرقص في مصر، حقبة غريبة لا تشبه غيرها، ترسخت برسومات على الجدران وبكتابات الأجانب، الذين كانوا يقصدون مصر بغية زيارة هذه الحانات.

للحانات في مصر تاريخ طويل، فمنذ تاريخ عهود الفراعنة، أحيا المصريون الحفلات وجسدت رقصاتهم برسوم على الجدران، وفي عام 1840، وبعهد محمد على باشا، إنتشرت الحانات في مصر بشكل كبير، وبدأت ظاهرة العوالم في مختلف المناطق.

وفي كتابه "رحلة إلى الشرق"، سجل الرحالة الفرنسي جيرار دي نرفال قصة زياراته لإحدى هذه الحانات، وتحدث عن ما رآه فيها من صخب ورقص وغناء.

هذا الشاعر والرحالة ترك مجالس الأمراء وأصحاب النفوذ والمثقفين في مصر، وخالط الشعب، وعاش بينهم في حي شبرا، وتزوج منهم، ودخل بيوتهم وأكل مع الدراويش في تكياتهم.

الحانات في مصر

كان الفرنسي جيرار دي نرفال مولع بسهرات الحانات في القاهرة، وشديد الإختلاط بعامة الشعب، وكانوا هم يعتبروه مجنوناً وفيه جانب من "البركة" وذلك بسبب مشيته المضطربة وهيئته الرثة.

وبحديث عنه قال أحد الكتاب المصريين: "من خلال حياة القاهرة التي انغمس فيها دي نرفال، جاءت لوحاته النثرية الشهيرة في الأدب الرومانسي، ومنها لوحة رقصة العوالم".

رقصة العوامل، وصفت الطقوس التي كانوا يتبعوها الراقصات في تلك الفترة، من حلقات الرقص ووجود الدخان المتصاعد، والصاجات الرنانة وألوان القلنسوات البراقة، واهتزازات الأذرع، وحركة الأوراك المخملية، وكحل العيون، وتوهج الوجنات للراقصات، و"جمالهن الأخاذ".

ونقلاً عن لسانه، وصف إحدى الراقصات التي صادفهن عام 1843 في إحدى الحانات، وقال: "من اللحظة الأولى يدهشنا ضياء قلنسواتهن المذهبة، التي تعلو جدائل شعورهن، وكعوبهن التي تضرب الأرض، بينما أذرعهن ترتفع في اهتزازات عنيفة، وهي تقرع أجراساً وخلاخيل. أوراكهن تختلج في حركات مخملية. نحورهن تتبدى عارية تحت نسيج الحرير الموصلي وتتأود بين لباسهن والحزام المترامي الذي يسقط علي بطونهن مثل فينوس. الكاد نستطيع أن نميز في دورانهن السريع ملامح هذه الكائنات الجذابة التي ترتج أصابعها بصنج صغيرة وكبيرة، تهتز على نغمات الناي والطبول. كن شديدات الجمال مزهوات بعيون عربية زادها الكحل تألقاً، بوجنات ممتلئة تزينها مساحيق خفيفة".

وكانت الصدمة التي تعرض لها، حينما خفت حركتهن في نهاية السهرة، وبدأ يلاحظ ملامحهك الذكورية، وعندما دقق إكتشف أن بينهم ذكور، وقال: "ومن بين الراقصات الثلاث، كانت الثالثة تند عنها ملامح أقل ليونةً، وتشف عن لحية نابتة في يومها الثامن، بطريقة تدفعنا لأن نتأمل ملياً ملامح الراقصات. وعندما انتهى الرقص أصبح ممكناً لي أن أتيقن بوضوح ملامح الراقصتين الأخريين، ولم ألبث أن تيقنت أننا أمام عوالم ذكور".

المخنثون في الرقص في مصر

والمخنثون هم ذكور أقاموا في مصر بتلك الفترة، يرقصون مثل العوامل والغازيات في الحانات، يرتدون لبس الغازيات نفسه، وعددهم قليل للغاية.

يستخدمهم المصريون الذين يرون أن رقص النساء نقيصة أخلاقية. يتلوّون بالصاجات كما تفعل الراقصات.

يظهر المخنثون بلباس نصفه ذكوري ونصفه أنثوي، من سترة مغلقة ويتحزمون بحزام من وسطهم، ويلبسون تنورة سفلية، إلا أن ما يغلب على شكلهم هو المظهر الأنثوي، فيطيلون شعرهم ويضفرونه على طريقة النساء، ويضعون المساحيق فوق جفونهم، ويصبغون يدهم بالحناء الأحمر.

وفي وقت غير الرقص، يرتدون الحجاب، من باب التشبه بالنساء. وفي قاهرة محمد علي، نوع آخر من المخنثين الراقصين، يدعون بـ"الجنك". يلبسون كما يلبس أقرانهم، ويفعلون أفعالهم، لكنهم أمهر في الرقص، وهم عادة يكونون من اليهود والأرمن واليونانيين، الذين استوطنوا القاهرة قديماً.

ا​​​​​​​لغازيات في الرقص في مصر

لفظ الغوازي هي عبارة تطلق قبيلة مصرية تنسب نفسها إلى البرامكة، الذين كانوا ذوي نفوذ قوي في عصر هارون الرشيد، ونالوا كرمه كما ذاقوا مرارات تقلب مزاجه.

أما عبارة الغازية، فهي إمرأة ترقص داخل البيوت في حفلات الزفاف والطهور، وهي عادة ما لا يسمح لها في الرقص داخل المنزل نظراً لدنو مكانتها، وتحدث دي نرفال عن أشكالهن ووصفهن قائلاً أنهن يرتدين "اليك" وهو روب مفتوح، وشنتيتان وهو سروال، ويتزين بالحلي والزينة، مثل الدانتيل والأساور والخلخال، وعلى جبينها تضع صفاً من القطع الذهبية، بالإضافة إلى حلقات في أنوفهن. كما كانت تتحكل الغازية وتحيط عينها بالكحل الأسود وتصبغ كف يدها وأطرافها بحناء أحمر.

وفي وصف رقصها، قال: "إنها تبدأ برقص بسيط إيقاعه هادئ، ثم ما تلبث أن تتمايل، ويتطور الرقص ليكون أكثر تمايلاً. لكن الأمر كله لا يعدو أن يكون رقصاً لا خلاعة فيه ويختلف الأمر حين تختلي الغازية بحفلات الرجال الخاصة، فتقوم بفتح اليلك إلى منتصفه، ويتعرى صدرها، وأحياناً تخلع اليلك، وترقص وهي تلبس "الشنتيتان" فقط وتزيد حركاتها خلاعة كلما احتست من الخمر الذي يسقونها منه باستمرار".

وعادة ما تزور المنازل برفقة عازفين ينتمون لقبيلتها، ويكون زوجها بينهم، ويستخدمون في العزف آلات الربابة والتار، ولا تتزوج الغازية إلا من غاز مثلها، إلا أن بعضهن يقسمن قسم التوبة، ويتزوجن من عربي لا يضيره سمعتها بين الناس.

العوالم في مصر​​​​​​​

أما العوامل فهن يرقصن في الحانات فقط، ويظهرت بملابس مميزة عن الغازيات. هن من عامة الشعب ومن أسر مصرية تقليدية، بعضهن كن مشهورات في مصر على مدى التاريخ، وأشهرهن في تلك الفترة سيدة فائقة الجمال تدعى كاوتشوك هانم، التي نفاها الخديوي المصري آنذاك ونفى معها جميع العوالم، فأصبحت الحانات تعج بالمخنثين الذين يؤدون حركات العوالم ويلبسون أزياءهن.

وتجمع العالمة بين الغناء والرقص، فيجب أن تمتلك صوتاً مميزاً، ومن أهم الأغنيات التي تشدو بها عالمة مصرية، أغنية "ز* عم عبدو" (عضو عم عبدو الذكري)، للراقصة بهية المحلاوية، تلميذة الراقصة الأشهر شفيقة القبطية، التي شاركتها مطلع الأغنية. وتعود أهمية هذه الأغنية إلى أنها أول أغنية مصرية تسجل على مر التاريخ الفني.

​​​​​​​

رخصة الدعارة

وهي تعد من أقدم المهن في مصر، وتعني ممارسة الجنس مقابل المال، وبالحديث عنها في مصر وفي التاريخ الحديث صدر أول تصريح بممارسة البغاء في أوائل القرن الـ17 قبل مجيء الحملة الفرنسية لمصر ببضع عقود، إلا أنها بالتأكيد لها تاريخ أبعد من ذلك، وكانت عادة ما تمارس في الحانات، ومع الراقصات.