30آب/أغسطس 2006، ليس بتاريخ نهاية حياة أديب عالمي، بل هي بداية حياة إرثه الفكري الذي لا زال ثروة تستخدم بأعمال فنية شتى في المسرح، التلفزيون، الراديو والسينما.


نجيب محفوظ​، ليس بإسم عادي يمر على لسانك مرور الكرام، هو روائي، كاتب مصري وأول أديب عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1988 عن روايته "​أولاد حارتنا​"، التي مُنعت من النشر في مصر والتي لا زالت مثيرة للجدل حتى يومنا هذا، بسبب جرأة موضوعها حول الذات الإلهية ونقد مبطن لثورة يوليو.
في رصيده أكثر من 300 عمل تنوعوا بين الروايات، القصص القصيرة، المسرحيات والسيناريوهات، يحتاج المرء لأكثر من حياة ليس ليقرأها فحسب، بل ليغوص بعمقها الفكري، فلقد عوّدنا من خلال قصصه الإجتماعية أن يطرح مواضيع فلسفية إنسانية كونية، منها "ثرثرة فوق النيل"، "بين القصرين" و"بداية ونهاية".

منذ أربعينيات القرن الماضي حتى اللحظة، يستغل المنتجون إسم "نجيب محفوظ" للتسويق أكثر لمنتجهم الفني، فهو يُعد قيمة مضافة لأي عمل، لمع إسمه في السينما المصرية بداية من فيلم "المنتقم" الذي طرح عام 1947 من بطولة أحمد سالم ونور الهدى وصولاً إلى مسلسل "بين السما والأرض" الذي خاض السباق الدرامي عام 2021، من بطولة هاني سلامة، سوسن بدر، أحمد بدير وغيرهم.
لكن هنا يكمن السؤال، هل نجح المخرجون والسيناريست بتحمل مسؤولية توقيع "نجيب محفوظ" على عملهم وهل تمكنوا من إيصال عمق رسالاته؟


مسلسلا "حديث الصباح والمساء" و"​أفراح القبة​"، فيلما "بين القصرين" و"اللص والكلاب" نبذة صغيرة من أعمال رسخت في عقل المشاهد اللبناني والعربي حتى أصبحت كلاسيكية تشاهد في أي زمن، إذ تمكن أصحابها من فهم أعمال محفوظ، رواية كانت أم قصة قصيرة وتوسيعها وتوظيفها بقالب درامي ممتاز ومميز، يغوص بجشع وطمع وشر الإنسان البشري.
فمثلاً في "أفراح القبة" تمكن المخرج المصري ​محمد ياسين​ من خلق عالم إسمه "نجيب محفوظ"، بأعماله، الديكور والموسيقى حتى الإطلالات.

وبحديثنا عن الإطلالات، إنقلب السحر على الساحر في مسلسل "الملك" المقتبس عن رواية "كفاح طيبة"، من بطولة عمرو يوسف، صبا مبارك وماجد المصري، فالمسلسل لم يُعرض عام 2021، وفشل عند إصدار الفيديو الدعائي الخاص به بسبب الجدل الذي أثاره.
وبالغوص في تفاصيله، تعرّض "الملك" لموجة إنتقادات ساخرة لاذعة بسبب عدم واقعيته والمغالطات التاريخية من ناحية، وإطلالات الممثلين التي لا تمت للواقع الفرعوني بصلة، من ناحية أخرى.


فعام 2021، كان نجيب محفوظ سينافس نفسه في "كفاح طيبة" و"بين السما والأرض" الذي كان له حضور لافت على الساحة الدرامية كونه من 15 حلقة دسمة بالأحداث الدرامية المعبر عنها بألحان الفنان المصري الراحل بليغ حمدي، فكل حلقة كان لها طابع خاص عند الجمهور، وخاصة الحلقة 14 التي إعتبرت بمثابة نهاية العمل، إذ تذوق فيها المشاهد أداءً رائعاً، قويّاً وصعوداً وهبوطاً لكافة الشخصيات خاصة القديرة سوسن بدر، نجلاء بدر ومحمد ثروت الذي تميّز بجنون شخصيته في العمل.

وبالعودة لمسلسل "أفراح القبة"، فهذا العمل أحتفي به كلما مر أمام عينيّ، أعيد لحظات النشوة عندما أندهش بكمية التفاصيل الموجودة في كل ديكور مشهد، شخصية، زي، وحتى في كل نوتة موسيقية.
فـ محمد ياسين الذي أمتعنا بأعمال كفيلم "دم الغزال" ومسلسل "موجة حارة"، خلق عالماً درامياً إسمه نجيب محفوظ.
فتألّف هذا العالم من عناصر ممزوجة ومنسجمة مع بعضها البعض من ديكور، موسيقى هشام نزيه، شخصيات، أفلام وروايات نجيب محفوظ لتصبح مشاهد أو مسرحيات تمرّ بأحداث المسلسل مثل "اللص والكلاب"، "زقاق المدق" و"رادوبيس".

كما إحترف مخرج العمل بأن يحوّل الرواية إلى مسلسل، كما ألّفها الأديب العالمي، ففي الرواية المؤلفة من 4 فصول معنونة بشخصية، نستمع للقصة ذاتها من وجهة نظر كل شخصية. فكيف حوّل ياسين "تقسيمة" محفوظ لنشاهدها؟.. بالقوّة.
أعاد ياسين عرض مشاهد تمثيلية مع فرق بسيط بين مشهد وآخر، وهي لغة القوّة، أي الشخصية الأقوى برد فعلها قولاً وفعلاً، ليعرف المشاهد أية شخصية تستعرض وجهة نظرها.

لدى كل شخصية ميزة في العمل حددّت مرّات قدرها، كعلاقة "بدرية" التي تجسدها سوسن بدر بالنار، فتبدو معظم مشاهدها وهي "تقلي" تحضّر الطعام في المطبخ، لنعرف لاحقاً أن بدايتها كانت محروقة ونهايتها بألسنة النار.
وحال "بدرية" كحال شخصية "أم هاني" التي تؤدي دورها سلوى عثمان التي مات إبنها غرقاً، فنرى أفعالها وردود أفعالها مرتبطة بالماء كالإستحمام والغسيل.
كما تميّزت "تحية" والتي تمثلها منى زكي بالألوان الزاهية من حيث ثيابها وديكور بيتها، بعكس شخصيّة "كرم يونس" أي صبري فوّاز، الموصوف بـ "إبن حرام مأصّل" في العمل، ذي الألوان القاتمة وبيت جدّه القديم الكئيب، وأيضاً جنون عظمة كندة علوش لتصبح نهايتها مجنونة.

ننتقل إلى براعة كل ممثل بتأديه دوره، فمن شدّة تمكّن كل شخصية من فهم دورها في العمل، ظهرت على الشاشة كيمياء بين أحمد السعدني وأفراد عائلة "آل عبده" المكوّنة من الممثلين سوسن بدر، سيّد رجب، منى زكي، دينا الشربيني وأحمد السعدني ورانيا يوسف.
فلاحظ المتابعون أن هذه العائلة أقل ما يقال عنها "سافلة"، وكل شخصية تلعب دورها بآلة "سفالة" معيّنة كالفساد والطمع.
الغريب في هذا العمل، هو تواجد الكيمياء بين كل ثنائي، فلم يقتصر وجودها فقط بعائلة آل "عبده" بل كانت موجودة أيضاً بين منى زكي ومحمد الشرنوبي، صبا مبارك وجمال سليمان، صابرين وصبري فواز، إياد نصار وجمال سليمان.
بهذه الكيمياء، تمكّن محمد ياسين بأن يسحب من كل ممثل أفضل ما لديه لكي يحافظ على العالم الذي إبتكره فصرنا نرى مشاهد رقص منى زكي ومشاهد "الخمّارة" كما وصفوها في العمل، مقتبسة من أجواء فيلم "زقاق المدق" بطولة شادية، صلاح قابيل، يوسف شعبان وحسن يوسف.
كما تميّزت مشاهد "أفراح القبة" بظهورات خاصة لممثلين أضافوا على العمل دارما وكوميديا مثل ظهور أحمد مالك بحلقاته الأولى، بيّومي فؤاد بحلقاته الأخيرة وريهام عبد الغفور.


نجاح المسلسل ليس كنجاح أي عمل بسبب حبكته أو طاقمه التمثيلي وإخراجه، بل بتفاصيله، فالقصة فيها بعد فلسفي، مقصود فيه أن المسرح مرآة النفس البشرية بكل عيوبها وحسناتها.
ففي العمل، كل شخصيّة أصبحت مجسّدة بمسرحية تنقل الواقع التراجيدي أو بجمهورها، لترى نفسها مفضوحة أمام الجمهور بسبب قرارات تسببت بأذية غيرها أو نفسها، إلا شخصيّة "طارق رمضان" الذي أداها إياد نصار فلقد جسّد نفسه على المسرح وأبرز وجعه على فقدان حبيبته "تحية عبده" أي منى زكي، وفي الوقت نفسه ليجد حباً وطعماً جديداً ليكمل به حياته وهو النجاح، فهو لطالما كان ممثلاً ثانوياً في "فرقة الهلالي".
على صعيد آخر، تصالحت صبا مبارك بدورها "دريّة نجار" مع نفسها وعدوتها "تحيّة" بتمثيل دورها في المسرحية التراجيدية، فهذه نبذة عن تأثير المسرحية على حياة كل ممثِّل وممثَّلة فيها.
الفلسفة تواجدت بحلقات مثلت الحياة والموت، بوفاة كبير في السن وولادة حفيده، تمثل شغف التمثيل والرجوع إلى النفس والتماهي بالأم.

"أفراح القبة" كان مسرحاً لأعمال غنائية ومسرحيّة عريقة كـ "هاملت" للشاعر الإنجليزي شيكسبير، و"وحوي يا وحوي" و"الهاشا باشا تاكا" للفنان المصري محمود شكوكو والفنانة المصرية روح الفؤاد بمواويل "قالوا تحب القمر" و"غار عليكي".
وما زاد المسلسل جمالية أكثر وأكثر هو الموسيقى التصويرية التي إبتكرها الموسيقي هشام نزيه، فكانت تعبيراً لكل شخصية بمعاناتها وتراجيديتها، لكل ديكور ولكل مشهد بكل عناصره.


أفراح القبة، هي "الأفراح التي تبارك الصراع الأخلاقي" كما قال الأديب العالمي بقصته القصيرة، هذا العمل أصبح بعد 5 سنوات على عرضه، مرجعاً يقارن فيه أي عمل مقتبس عن روايات لـ نجيب محفوظ.
فبعد كل هذه السنوات، يبقى هذا العمل من الأعمال النادرة التي تتضمن هذه الكيمياء والعالم الدرامي الذي إبتكره المبدع محمد ياسين.