مسلسل "​نمرة 2​" هو أحد المسلسلات التي كان لها وقع خاص في الآونة الأخيرة، ورغم إنفراد الحلقات، ترتسم في معالم السيناريو الإزدواجية في العلاقات، التي تتجسد في أصغر تفاصيل الحياة، في الذكريات والحنين، في البقاء والتغير، وفي الهرب من الواقع.
قليلة هي الصدف التي قد تجمع إنساناً بشخص يفهمه، يقدّر ظروفه، ويغض النظر عن تفاصيله البشعة ليعيش بصحبته لحظات سعيدة تحس بالساعات كما لو أنها سنين.
"نمرة 2" عبارة عن قصة درامية بحلقات منفردة تحمل كل حلقة من حلقات العمل توقيع مخرج مختلف وروحاً مختلفة، قضية واحدة بقوالب مختلفة وزوايا متعددة، تضم عدداً من الممثلين على المستويين العربي واللبناني وهم: منى زكي، أحمد مالك، ​نيللي كريم​، ​عادل كرم​، ​شيرين رضا​، أمينة خليل، صبا مبارك، ​عمرو يوسف​، ​آسر ياسين​، بالإضافة إلى قصة درامية محبوكة بتسلسل منمق، تنتهي مع انتهاء الحلقة، لتبدأ قصة جديدة مع بداية حلقة أخرى.

وتدور الأحداث في 6 مدن عربية مختلفة هي: الرياض، جدة، القاهرة، الجونة، بيروت ودبي، ليتبين أن إختلاف المناطق لا يغير وجهات النظر وأن المكان لا علاقة له بالنفس البشرية والسعي وراء الراحة، بل بالشخص نفسه فقط، وبقدر ما ينظّم حياته ويرسمها، بقدر ما يحصل على ما يتمنى.

وإذا ما أردنا الغوص في تفاصيل المسلسل، في مختلف قصصه عن الحب والعلاقات الثانية في حياة الإنسان، فإنه يتطرق إلى مواضيع الخيانة، الحب والروتين الذي قد يقتل أجمل لحظات السعادة، عن الشرخ الموجود الذي يتزايد مع زيادة "الروتين" في الحياة والذي يبقى بعد إنتهاء أي علاقة، عن تفاصيل غفل الجميع عنها، إلا أنها تعيش بيننا.
ومن هنا تبرز أهمية هذه الفجوات شيئاً فشيئاً والتي دائماً ما يمتنع الناس عن ذكرها، خاصة في المجتمعات العربية، والمسلسل لا يسلط الضوء فقط على المشاكل إنما على تبعاته التي قد ترافق الإنسان طوال حياته، وما تخلفه من دمار لمحبيه أو للمقربين منه، فيظهر لجوء المرأة إلى السكوت والخضوع والرجل إلى التكبر والخيانة.

4 حلقات تستوقف المشاهد بروعتها، وبأداء ممثليها، وبإبداع مخرجيها، نستعرض لكم تفاصيلها وأحداثها، والقضايا التي تتناولها.


في الحلقة الأولى التي جمعت عمرو يوسف، صبا مبارك، نهى عابدين، سيناريو وحوار سماء عبدالخالق وإخراج طارق العريان، تتمحور القصة حول ضعف الحب، أمام التكرار، والروتين اللذين يلازمان الزوجين، فعلى الرغم من الحب والصداقة التي جمعت بين علا وشريف إلا أن الوضع أصبح خطراً يهدد زواجهما، فحين لا يكون هناك سبب مباشر لإنهاء الزواج سوى الملل، فهل يعد ذلك سبباً كافياً؟ أم أن الخيانة ستكون الحل الوحيد لتجاوز هذه القضية؟

يطرح المشاهد هذا السؤال بين نفسه مراراً وتكراراً ليكون أمام جواب يعكس شخصيته، هل الندم سيرافق أحدهما بعد هذا القرار، كل ما ذكر، هو تفاصيل حقيقية أردنا تجاهلها وعدم تقديرها والنظر إليها في حياتنا، ليس لأنها لا تعنينا بل لأن المواجهة أصبحت صعبة، وهنا يأتي دور المسلسل في طرح الأفكار الصحيحة أمام المتابعين، أنه لا يوجد فعل يحدث من دون سبب، وأن المحيط الإجتماعي يفرض نفسه، وأن يداً واحدة لا تصفق بل تصفع، ليس خبثاً أو حقداً، بل لتتحرر.


إنتقالاً إلى الحلقة الثانية من بطولة نيللي كريم، عادل كرم، حازم سمير، سيناريو وحوار مريم نعوم وإخراج تامر محسن وبعد رحلة قصيرة لتكريمها في بيروت تلتقي نيللي بأصدقائها اللواتي يتحدثن مع أزواجهن، بطريقة عفوية، صادقة، خالية من التصنع، وهذا ما تفتقده فعلاً في حياتها، لتجد أن إحداهن تسعد نفسها من خلال مواعدة الرجال والفرح، لا لشهوة جنسية، إنما لغاية في نفسها، وهنا تبدأ معالم القصة بالإرتسام، حين تجلس "راوية" في بهو الفندق بانتظار رحلة العودة بعد أن تأخرت عن موعد رحلتها الأولى، وعلى أحد تطبيقات المواعدة على الهاتف، تجد راوية نفسها في مغامرة لم تحسب لها حساباً، وتعتبر أنها تستحق أن تجد من يستمع إليها، أن يحتويها، يقدّر ما تقوم به، إلا أن المفاجأة هنا لم تكن فقط في التعويض عن النقص الزوجي، بل بالحديث عن عيوب مواقع التعارف، فالشلل الذي كان يعاني منه عادل كرم "الشلل"، لم يكن ظاهراً خلال الحديث بينهما، لتظهر إحتياجاته الخاصة في نهاية القصة، من دون أن يتوقع المتابعون ذلك.


الحلقة الرابعة من المسلسل بطولة: ​ماجد الكدواني​، شيرين رضا، سيناريو وحوار وائل حمدي، إخراج هادي الباجوري، عندما يكون الحنين سيد الموقف، وتبدأ القصة في الطريق إلى المطار الذي يستغرق أقل من ساعة، لكن لكل دقيقة في رحلة السائق البسيط مع النجمة الشهيرة سنوات من الذكريات والألم والحنين، معتقداً أنها حبيبة الطفولة، ولم يشكك بقراره، فيتحدث معها على أنها الشخص نفسه، وهذا الأمر هو ما جعل هذه الشخصيات تبرز، فمعظم الناس حولنا يخافون التذكر، ودائماً ما يحاولون النسيان، إلا أن حدثاًِ صغيراً قد يعيد إليك كل الذكريات والحنين للماضي وتفاصيل ظننت أنك قد نسيتها يوماً.

الحلقة الثامنة من المسلسل كانت فعلاً مسك الختام، وهي من بطولة منى زكي، ​أحمد السعدني​، سيناريو، وحوار مريم نعوم، إخراج يسري نصر الله.
وجاءت هذه الحلقة من الألم الذي نعيشه اليوم، خصوصاً بعد تفشي فيروس كورونا، وإعلان التعبئة العامة، وتدهور الأوضاع، ليظهر للناس أن معظم الأشخاص الذين يجتهدون في عملهم قد تقسو عليهم الظروف وتكون غير عادلة في بعض الأحيان، فيجدون الشخص الذي يبحثون عنه في ظروف صعبة، ورغم الزواج، إلا أن الصدفة التي تجعل الإنسان يشعر بالراحة قد تنسيه حتى نفسه.
فكيف إذا ما كان من توقف لمساعدته هو الحبيب السابق وفرقتهما السبل. وعندما يضطران لتمضية ساعات حظر التجول الليلي معاً، تعود الذكريات إلى الظهور.

وبالحديث عن الشخصيات لا بد أن ترفع القبعة للممثل اللبناني عادل كرم، الذي تأقلم مع الممثلين، صحيح أن هذا العمل ليس الأول من نوعه بالنسبة لكرم، في الدراما المشتركة، إلا أن أداءه جعله يتقدم بأشواط حتى على نفسه، فتحركاته وإتقانه لعمله وتأدية الشخصية بحذافيرها، وتسخير إبداعه لإيصال دوره لمحبيه، كل ذلك يحسب له.
ولم يكن عادل كرم اللبناني الوحيد بل رافقته أيضاً الممثلة سينتيا خليفة في الحلقة التي ظهرت إلى جانب الممثلين آسر ياسين وأروى جودة، والتي أدت دورها بقدرة عالية وإمكانيات عالمية لتتفوق على نفسها مجدداً.
من ناحية ثانية استطاعت نيللي كريم، البسيطة في تفاصيلها، الدكتورة، أن تجعل المتابع يعيش حالة من التردد بين الخيانة وعدمها، حتى في أدق التفاصيل، نظرات العيوان، والملابس، فأظهرت الفرق بين أن تكون إمرأة متزوجة وأخرى تبحث عن عشيق، فتلك التي تسعى إلى إخفاء نفسها من خلال إرتداء بدلة رياضية، لتكون طبيبعية، هي نفسها وفي معظم محطات حياتها كانت تعيش، وكما يقال، على "الإتيكيت". إستطاعت نيللي أن تحمل في دورها الشخصيتين، من دون تداخل بينهما، ولو نظر المشاهد جيداً لوجد فعلاً أنهما شخصان في جسد واحد.

ناهيك عن الحلقات التي أطل بها العديد من الممثلين منهم شيرين رضا، إياد نصار، يعقوب الفرحان، أروى جودة، أحمد مالك، صبا مبارك، سارة طيبة، نهى عابدين، وآخرين، سنترك للمتابعين أن يحمكوا عليهم بعد متابعة حلقات المسلسل كافة.

وإنطلاقاً مما تقدم، فإن مسلسل "نمرة 2" كسر قواعد المجتمع، ولمس الإنسان، كمجتمع مصغر، بدءاً من الفرد وصولاً إلى العائلة، وكشف له تقلباته حتى من دون الرجوع إلى النظام العام، بل إلى الإنسان كفكر وروح.
كذلك يجب أن يثنى على أداء معظم الممثلين، الذين ارتقوا بالفن، إلى مرحلة جديدة من خلال الأداء المميز، الذي يحسب لهم، في كل الحلقات.
أما بالنسبة لإبداع المخرجين، فنحن نمتلك نخبة النخبة، تسمو بترجمة الأفكار، من القلم إلى الشاشة، وقد تجلى هذا الأمر في معظم الحلقات التي حملت المشاهد إلى قلب الحدث ليعايشه.