قصص من واقع الحياة فرضت لنفسها حضوراً قوياً في المهرجانات العالمية، وفي مقدمتها فيلم "​200 متر​" الذي يعتبر ملحمة واقعية وتجربة قاسية لها أبعاد إنسانية ووطنية عميقة. ولهذا، خصصت النسخة الثامنة من ​مهرجان أجيال السينمائي​، الذي تقدمه مؤسسة الدوحة للأفلام، مساحة كبيرة لهذا الفيلم ليعرض للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

"فيلم 200 متر"، للمخرج ​أمين نايفة​ والمنتجة ​مي عودة​، عرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي بدورته الـ77 في أيلول الماضي، وفاز بجائزة الجمهور في أيام البندقية وجائزة "مينا مسعود" في مهرجان الجونة السينمائي 2020، كما تمّ اختياره لتمثيل الأردن في جوائز الأوسكار للأفلام الطويلة الدولية في دورتها الـ 93. في هذا الفيلم تتحوّل مسافة الـ200 متر إلى ملحمة الـ 200 كيلومتر لجمع الأب بإبنه... إذ يروي الفيلم قصة أب فلسطيني محاصر على الجانب الآخر من الجدار الفاصل، ويحاول يائساً الوصول إلى إبنه المريض في المستشفى.

وخلال مؤتمر صحفي إفتراضي، تحدث مؤلف ومخرج الفيلم أمين نايفة عن عمله الروائي الطويل الأول قائلاً: "تنقلنا شخصية الأب إلى قصة حقيقية تعكس واقع الكثير من الفلسطينيين اليوم. كانت تجربة الإنتاج شخصية على عدة مستويات، حيث استغرقت فترة تصوير مدتها 22 يومًا، سبع سنوات من التحضير".

ومن جهتها، لفتت المنتجة مي عودة إلى أن "تمويل الأفلام ودعمها وتوزيعها لا يزال يمثل عقبة أمام المبدعين الطموحين في العالم العربي. وفي السينما الفلسطينية بالذّات، يعتمد الإنتاج على الجهود الفردية في مقابل صناعة أفلام تدفع عجلة نموها إلى الأمام". وأضافت: "على الرغم من ذلك، علينا أن نستمر في إنتاج الأفلام وإخبار العالم بقصصنا للتصدي للدعايات والمعلومات المضللة. ونحن الآن نشهد الكثير من التطوّرات الجديدة الواعدة بين شبابنا، الذين يبحثون عن منصات إلكترونية بديلة لنشر محتواهم دون الحاجة لتمويل والمساهمة في الترويج لسرد القصص العربية الأصيلة للجمهور في المنطقة وخارجها". وأكدت عودة على أن الاحتلال الاسرائيلي اعتمد منذ البداية على الإعلام والسينما لتزييف الوعي وقلب الحقائق، مشيرة إلى تقديمهم أفلاماً باللغة العربية ليكتبوا تاريخاً مزوّراً، كما يستخدمون المنصات العالمية في الترويج لصناعتهم على أنهم محبّون للسلام. ولفتت عودة إلى أن "الإسرائيليين يتلقون دعما كبيراً لهذه الصناعة، في حين أن صناعة السينما الفلسطينية والعربية بشكل عام تعاني من نقص في التمويل، وإذا كانت هناك جهات غربية تمنح تمويلاً فلها أجندات خاصة عند دعم الأفلام العربية". وفي الوقت ذاته، ثمّنت عودة جهود الجهات التي منحت فيلم "200 متر" الدعم، ومنها مؤسسة الدوحة للأفلام.

وردّاً على سؤال لـ"الفن حول التحديات التي واجهت فريق العمل، إذ تمّ التصوير في 35 موقعاً في الضفة وكانت كل مشاهد الجدار حقيقية، وبالتالي منعتهم من تنفيذ بعض الأفكار أو تصوير بعض المشاهد، أجاب نايفة: "كنا نسابق الوقت فأجبرنا على عدم تصوير مشهدين، والاستغناء عن مشهدين آخرين. في الحقيقة، وقبل بدء التصوير، طلبت مني مي اختيار مشاهد للاستغناء عنها في حال حاجتنا إلى ذلك فرفضت... ولكن الحمدلله لم يؤثر الأمر على سياق الفيلم". وعن مدى الحرية الممنوحة له في كتابة السيناريو وكذلك التصوير، أكد نايفة أنه لم يتعرّض لأي إملاءات أو ضغوط للتركيز على شيء معيّن. أما عنالموقف الأصعب الذي تعرّض له أثناء نقله لوقائع حياتهم، فردّ نايفة بالقول: "كل العوائق والصعوبات التي يواجهها "مصطفى" في رحلته هي حقيقية 100%، ولكن أثناء ورش العمل التي أجريتها مع كتّاب السيناريو الغربيين كانوا يبدون استغرابهم للأحداث والمواقف التي قرأوها في سياق القصة، واعتقدوا أنني أبالغ في إضافتها لزيادة الدراما في الفيلم، بل واعتبروها مستحيلة وعرضوا عليّ تقديمها بطريقة كوميدية لتصبح قابلة للتصديق أكثر، فمن المستحيل بنظرهم أن يتعرّض المرء لهذا الكمّ من المشاكل في يوم واحد، لكنني أؤكد أنها حقيقية وواقعية".