رندة حجازي​، فنانة تشكيلية سورية، جالت العالم بأناملها المميزة التي ترسم إنطلاقاً من واقع المجتمع الذي تعيشه، لتعكس قضاياه ومشاكله وصوره المتنوعة.
في رصيدها العديد من المعارض، التي لفتت إنتباه الجمهور والنقاد على حدّ سواء، وهو الأمر الذي خوّلها نيل العديد من الجوائز والتقديرات المحلية والعالمية، إضافة إلى إختيار مشاريعها من ضمن أهم المشاريع، نظراً لجمالها وحرفيتها.
حالياً، إختارت حجازي الإستقرار في كندا، وعن السبب الذي دفعها لأخذ هذا القرار وغيره الكثير من المواضيع التي تتعلق بالفن التشكيلي ومسيرتها، كان لنا معها هذا الحوار.

لماذا قررت الإستقرار في كندا؟
ولدت ونشأت في مدينة الياسمين دمشق، ومن ثم إنتقلت للعيش في إمارة دبي، وإنتهت رحلتي حالياً في كندا بعدما شعرت فيها بالإستقرار والطمأنينة والسلام لي ولأسرتي، فهي بلد الإنسانية والقانون والمساواة والحريات، وهذا ما نفتقده ونحتاجه كشعوب عربية، ولكنني ما زلت متنقلة بين عدّة دول، ومن أهمها ​لبنان​ الحبيب.
وعلى الصعيد المهني، أنا على قناعة تامّة بأن الفن التشكيلي صاحب أكبر رسالة سامية في الحياة، وهو فن عابر للقارات، فالسفر والتنقل عالمياً مهمان للمساهمة في نشر هذه الرسائل الإنسانية السامية إلى العالم أجمع، قدر المستطاع، وربّما كان هذا التوقيت بالذّات هو الأنسب لرفع صرخة الألم خارج حدود الوطن لما تعانيه بلادنا من آلام متتالية.

إختصاصك هو الإعلام وأيضاً الرسم، ما الرابط بينهما؟
قناعاتي بالفن أنه ملتزم بقضايا المجتمع، ومحبتي للمواضيع الإنسانية والإجتماعية هي التي دفعتني لمتابعة دراستي في الإعلام، فالإعلام ساعدني كثيراً في توثيق أي موضوع موجود بالحياة وتقديمه للناس بشكل فني متميّز.
أشبّه نفسي دائماً بالصحفي المصور الذي يوثّق أعماله بالصورة، لكنّي أضيف إلى هذا التّوثيق لمسات فنية لطيفة، لأخفّف من حدّة وصعوبة المشاهد القاسية.
بالإضافة إلى ذلك، عملت في مجال كتابة المقالات الصحفية، وإعداد وتقديم فقرات تلفزيونية بما يخصّ عالم الفن والجمال والديكور والعمارة والحضارات، محبّةً مني لمعنى العطاء وتقديم المعلومات المفيدة للمجتمع، ومساهمة مني لرفع الذائقة الفنية للقارئ.

حصلت على عدد من التكريمات والجوائز، منها محلية وأخرى دولية وعالمية، وكان آخرها فوزك بمسابقة تصميم نصب تذكاري لمنظمة أندية الليونز الدولية، إذ حصلت على جائزة أفضل تصميم لإنشاء نصب تذكاري يمثل الأهداف الإنسانية والبيئية للمنظمة، وتمت تهنئتك من قبل النائب الفديرالي في البرلمان الكندي أنجلو أيكونو ونيابةً عن حكومة كندا، أية جائزة كانت الأقرب إلى قلبك؟ وهل من جائزة معينة تطمحين للحصول عليها؟
للنجاح الأول الأثر الأكبر، ويبقى هو المفضل لأنه أول خطوة في درب الصعود، أول جائزة وتكريم تلقيتهما حين كنت طالبة في كلية الفنون الجميلة عند مشاركتي في تصميم ورق اليانصيب التابع لمديرية المعارض في دمشق، ونلت شهادة تكريم من المديرية لفوزي في ثلاثة تصاميم، وكانت فرحتي الكبرى عندما طبعت أعمالي الرابحة ووزعتها في كافة أنحاء البلد.
عادة لا أطمح للجوائز والتكريمات، ربما بسبب حبي للفن وشغفي به، فأنا أرسم وأمارس مهنتي بحب وشفافية مطلقة، أتطلع من خلالها لإيصال رسائلي الإنسانية للناس كافة، وفعلا أنا سعيدة جداً لأن فني صرخة مدوية مسموعة لدى المتلقي، وكم يكون الفنان سعيداً عندما يجد من يقدّر فنّه ويكرّمه، فهذا يعطيه الدافع الأكبر للإستمرار.

ترسمين اللوحات، وها أنت اليوم تنتقلين إلى الرسم على أثاث المنازل، هل هذا من باب تطوير الأداء وإيجاد مساحة جديدة للتعبير؟ أم بهدف المردود المادي؟
لا أبداً، ليس لأي سبب من الأسباب التي ذكرتها، الرسم على الأثاث جاءني صدفة عندما كنت في مرحلة نقاهة بعيداً عن رسم اللوحات، ولأن الفنان لا يستطيع العيش من دون فن، ويبحث دائماً عما يقوم به ليفرغ طاقته الإبداعية، جاء الرسم على الأثاث عندما كنت في مرسمي الذي أحب، ووقعت عيني على قطعة أثاث قديمة مركونة جانباً، فبدأت العمل عليها من دون هدف يذكر، وكانت النتيجة رائعة، وضعت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، ونالت الكثير من الإعجاب، ورغب أحد المتابعين بإقتنائها، وبعدها توالت عليّ الطلبات الخاصة من الذين لديهم أثاثات قديمة ليجبلوها لي لإعادة الحياة إليها من جديد من خلال فني.
هكذا بدأت القصة، وأتمنى أن لا تنتهي، لأنني حتى في هذا المجال أحاول أن أصنع تحفة فنية تصبح مع الزمن تحفة نادرة، آمل ذلك.

تعيش بيروت اليوم ألماً كبيراً بسبب الإنفجار الضخم الذي وقع في المرفأ في الرابع من الشهر الماضي، هل من لوحات تخصينها بها؟
أنا فنانة لا أحب أن أرسم لوحة يتيمة، عادة ما أحضر لموضوع كامل متكامل بمجموعة كبيرة من اللوحات تتحدث عن نفس الموضوع.
ربما هذا هو السبب أنني لم أرسم حتى الآن أي شيء عن ​إنفجار بيروت​، ولكن هذا لا يعني أن الموضوع لا يعني لي شيئاً، بل على العكس تماماً، ما حدث في بيروت يدمي القلب ويستنزف الروح، وخصوصاً الفنان، وأنا بكل تأكيد ينتابني شعور كبير أن أعبر عما حدث في بيروت من فظاعة مؤلمة لكل قلب يعشق ست الدنيا.
إنتظروني قريباً بأعمال تحكي حكاية دمار تدوسه أقدام حضارة وشعب أثبت نهوضه المستمر عبر التاريخ.

لنتحدث عن معرض "22 قبلة" الذي أقمته في بيروت، ماذا يعني لك؟ وماذا تعني لك بيروت؟ ولبنان بشكل عام؟
كانت تجربة غنية جداً وفريدة، تحدثت بها عن 22 دولة عربية هي قُبلُ الله على الأرض، فهو تجسيد ذاتي للعالم الذي يدور في رأسي، عالم من سلام ومحبة – كما ينبغي أن يكون طبعاً- يمثل معرض 22 قبلة في مضمونه حقيقتنا ومعنى وجودنا في بلاد قدر لها أن تكون قلب العالم.
المعرض تضمن 22 لوحة تجسّد كل واحدة منها دولة عربية بفترات وحقبات تاريخية قديمة (ما قبل الميلاد)، عرضت أهم إنجازات حضاراتنا العربية، ووزعت تراب هذه الدول، كل تراب دولة على لوحتها الخاصة، حتى تشكلت بانوراما عربية، وليجتمع تراب الوطن العربي لأول مرة تحت سقف واحد من دون خلافات أو نزاعات أو حدود.
ومن ضمن اللوحات 14 لوحة خاصة بحضارات سورية، لبنان، الأردن، فلسطين، العراق، مصر واليمن.
طبعا أنا كفنانة سورية لست بعيدة عن حضارة وتاريخ وثقافة لبنان، لبنان جزء جميل من الروح التي تسكن داخلي، ولها نفس مكانة توأمها دمشق، لطالما شعرت بنفس الروح والدفء ورائحة العطر الفيروزي في شوارعها كما دمشق.
لبنان مقصد الجمال في الاتجاهات الأربعة لكل طالب للجمال.

ما هو دور المرأة في لوحاتك؟ ولماذا هذه الخصوصية نحوها؟
لدى المرأة الكثير لتقدمه للمجتمع، ولكني أرى قيودها كثيرة، وهذا ما حاولت تسليط الضوء عليه، رمادية المرأة بينها وبين نفسها وطريقتها في إثبات وجودها بشتى الطرق، إبتداء من المرأة الجاهلة وصولاً إلى المرأة المثقفة.
أنا أرى أن المرأة عبارة عن كتاب غني جداً لما تملك من صفات مهمة، فهي المخلوق ما بين الملائكة والبشر، وخصها الله بصفات مهمة وجوانب إبداعية كثيرة، فهي كتاب غني لكل من يشعر بما وراء الكلمة والاحساس، دعوة مني لكل المجتمعات لمحاولة قراءة هذا الكتاب، ومحاولة فهم ما يجول فيه من صفات خلاقة وقدرات لا متناهية.
ونحن بحاجة إلى إعطاء المرأة دوراً أكبر، وتحريرها من الوحدة التي تعيشها، رغم الكثير من المسؤوليات الملقاة على عاتقها، ولا ننسى أبداً أن المرأة هي نصف المجتمع، وهي التي ربّت وعلمت النصف الثاني.
هناك الكثير من الفنانين والباحثين الإجتماعيين والمنظمات الإنسانية وغيرهم كانوا وما زالوا يسلطون الضوء على معاناتها، ولكن للأسف نحن بحاجة إلى الكثير لإثبات دورها الفعال في المجتمع، وكل ما أفعله هو أنني أضم صوتي إلى صوتهم ضمن إمكاناتي وقدراتي.

نعلم أن للمجتمع العربي بشكل عام عادات وتقاليد قد تشكل أحياناً قيوداً للشخص، ولاسيما للمرأة، هل واجهت صعوبات في ما خصّ هذا الموضوع في لوحاتك، ولاسيما في ما يتعلق منها بالمرأة؟
بكل تأكيد سمعت وأسمع في بعض الأحيان إنتقادات لاذعة كوني فنانة عربية وجريئة في طرح مواضيعي، وخصوصاً ما يتعلق منها بالمرأة، لكنني مؤمنة بما أقدمه، ولي دائماً مبررات لكل المواقف التي أتعرض لها، وطبعاً هي مبررات نابعة من علم النفس والمجتمع والرموز الفنية التي أعمل عليها، وعندما أضطر لشرح عمل فني فيه الكثير من التساؤلات عن الجرأة التي يحتويها وعن المعنى الحقيقي له، نصل دائماً إلى نقطة إقناع المتلقي بهدفي الحقيقي من ما طرحته ضمن العمل، لأنني لا أطرح رموزي عن عبث، ولا للفت إنتباه المتلقي من دون أهداف حقيقية ورسائل سامية.
في النهاية أعتقد أن كل إنسان، إن كان رجلاً أو إمرأة، يتعرض دائماً للإنتقادات بسبب أو من دون سبب، وما علينا إلا أن نواصل المسيرة حتى النهاية، وفي نهاية المطاف لا يصح إلا ما هو صحيح.

ما جديدك اليوم؟ وأين سيكون معرضك المقبل؟
أنا الآن في مرحلة التحضير لمعارض فردية جديدة، منها المؤكد ومنها ما هو قيد الدراسة، ما يمكنني التصريح به هو أنني في مرحلة تحضير لمعرض فردي للعام المقبل، سيكون في المؤتمر الدولي لأندية الليونز الذي سيعقد في مدينة مونتريال في كندا، في 25 تموز 2021 بحضور رؤساء الليونز الدوليين وممثلي الدول المشاركة بالمؤتمر، وسيتم تدشين النصب التذكاري الذي فزت في تصميمه.
المعرض عبارة عن مجموعة أعمال أتحدث فيها عن أهداف منظمة الليونز الإنسانية الستة والتي هي :مكافحة الجوع والفقر، مساعدة مرضى النظر، حماية البيئة، مساعدة الأطفال مرضى السرطان، مساعدة مرضى السكري، وآخرها مرضى التوحد.