هو المُلقب بـ"تشي"، التي تعني الرفيق، وإسمه الحقيقي إرنستو غيفارا دي لاسيرنا، رمز الثورة والتمرد، الذي ظلت صورته ملهمة لجيل الشباب في العالم على مر السنين، هو الطبيب الثائر ونصير المظلومين والمدافع الشرس عن حرية الإنسان.
وصفه رئيس جنوب أفريقيا ​نيلسون مانديلا​ بأنه "مصدر إلهام لكل إنسان يحب ​الحرية​"، كما وصفه الفيلسوف الفرنسي ​جان بول سارتر​ بقوله: "غيفارا ليس مجرد إنسان مثقف، إنه أكمل إنسان في عصرنا".

نشأته وإهتماماته الفكرية
ولد ​تشي غيفارا​ بمدينة روزاريو في ​الأرجنتين​، يوم 14 حزيران/يونيو في عام 1928، لعائلة ميسورة الحال ذات جذور أرستقراطية، لكن بأفكار إشتراكية.
في عام 1937 إلتحق تشي غيفارا بالصف الثالث في المرحلة الابتدائية في عمر 9 سنوات، وكان منجذباً للحرب الأهلية الإسبانية ومتابعا لأحداثها، وبعد عشر سنوات من ذلك أي في عام 1947، إلتقى بالشابة بيرتا غيلدا إنفانتي، والمعروفة أيضاً باسم تيتا، وكانت عضواً في حزب الشباب الشيوعي في الأرجنتين، وقد تعززت صداقتهما بشكل كبير لتشمل المبادلة في قراءة النصوص الماركسية، ومناقشة الفعاليات الخاصة بذلك.
خلال فترة المراهقة وطوال حياته كان متحمساً للشعر، وخصوصاً لبابلو نيرودا وجون كيتس وأنطونيو ماتشادو وفيديريكو غارسيا لوركا وغبريالا ميسترال وقيصر باييخو ووالت ويتمان. وكان يمكنه إقتباس أبيات من الشعر لروديارد كبلنغ، وأيضاً لخوسيه هيرنانديز عن ظهر قلب.
كان منزله يحتوي على أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، مما سمح له أن يكون قارئاً متحمساً وإنتقائياً، وإهتم بالقراءة عن ​كارل ماركس​ وويليام فوكنر وأندريه جيد واميليو سالغاري وجول فيرن. إضافة إلى ذلك، كان يقرأ أعمال جواهر لال نهرو وفرانز كافكا وألبير كامو وفلاديمير لينين وجان بول سارتر، وكذلك أناتول فرانس وفريدريك إنجلز وهربرت جورج ويلز وروبرت فروست.
عندما كبر أصبح يهتم بالقراءة لكُتّاب أميركا اللاتينية، ومنهم هوراسيو كيروغا وسيرو أليغريا وخورخي إيكازا وروبين داريو وميغيل استورياس. كما دوّن أفكار العديد من هؤلاء الكُتّاب في كتاباته الخاصة بخط يده مع مفاهيمه وتعاريفه، وفلسفات المثقفين البارزين من وجهة نظره، وقام أيضاً ببعض الدراسات التحليلية لبوذا وأرسطو، بجانب دراسته لبرتراند راسل عن المحبة والوطنية، والمجتمع من جاك لندن وفكرة نيتشه عن الموت. فتبنى غيفارا أفكار ​سيغموند فرويد​ وأخذ عنه في مجموعة متنوعة من المواضيع، ومنها الأحلام والرغبة الجنسية والنرجسية وعقدة أوديب.
وفي عام 1948 كان تشي غيفارا أتم العشرين سنة من عمره، والتحق بجامعة ​بوينس آيرس​ لدراسة الطب، وبدأ بدراسته مهتماً بالبحث والتعمق في دراسات لمعالجة مرض الربو، الذي كان مصاباً به، وقد بدأت أولى رحلاته في عام 1950 على دراجة هوائية ليصل إلى سان فرانسيسكو، مجتازاً المحافظات الشمالية من الأرجنتين، ليلتقي بصديقه ألبرتو غرانادو، الذي يعمل في مستوصف هناك، ويهتم بالبحوث العلمية لأمراض الحساسية والربو.

رحلته عبر ​أميركا الجنوبية
قرر تشي غيفارا في تشرين الأول/أكتوبر عام 1952 أن يجوب أميركا اللاتينية، جنباً إلى جنب مع صديقه ألبيرتو على دراجة نارية، والتقى في 1 أيار/مايو في بلدة ليما، بالطبيب هوغو بيسي، (وهو طبيب ومدير برنامج الجذام الوطني، بالإضافة إلى أنه من أتباع الماركسية)، وناقش معه أفكار الماركسية حتى باتت هذه الأفكار تحتل الجزء الأكبر من تفكيره تجاه الحياة والمجتمع.
وبعد عدة أيام زار غابات الأمازون في البيرو، وقد لاحظ حياة البؤس التي يعيشها الناس هناك من قلة طعام، وسوء تغذية، وفساد الدواء، ومن ثم غادر الأمازون إلى كراكاس، ومنها قرر العودة إلى بوينس آيرس لإنهاء دراسته في العلوم الطبية، مؤمناً بأن الحل الوحيد لمحاربة تلك الصعوبات التي يعيشها المواطنون في تلك المناطق، التي زارها هي الثورة العالمية.

بداية نشاطه الثوري
أنهى غيفارا دراسته في وقت مبكر من عام 1953، ومن ثم بدأت أفكاره تتبلور ساخطاً على ​الولايات المتحدة الأميركية​، بسبب هيمنتها الرأسمالية على الشعوب الأخرى التي تعيش البؤس، وكان يصف الولايات المتحدة آنذاك بأخطبوط الرأسمالية، وبدأت ميوله تحمل فتيل ثورة كبرى ضدها، فذهب إلى نيكارغوا وهندوراس والسلفادور، وأخيراً إلى غواتيمالا، حيث كان الضابط جاكوبو أربينز يقود عملية ثورية هناك، وعندها وجد غيفارا هدفه، وشهد قصف الطائرات الأميركية للمنشآت والأحياء الشعبية في غواتيمالا بأم عينه.
في عام 1955 عمل طبيباً في مستشفى مكسيكو سيتي، إلى أن إلتقى براؤول كاسترو، الذي أصبح صديقه المقرب وزميل النقاش في السياسة الدولية، وبعدها تعرف على ​فيديل كاسترو​ الأخ الأكبر لراؤول؛ الذي كان مسلّماً بالماركسية اللينينية والذي نال إعجاب غيفارا بشكل كبير، حتى إنضم إلى حركته مع أخيه راؤول وهي (حركة 26 يوليو)، للإطاحة بحكم الديكتاتور فولغينسيو باتيستا في كوبا.
وفي 3 تموز/ يوليو أصدرت الحكومة الكوبية قراراً بترحيل تشي غيفارا إلى وطنه الأم الأرجنتين، بسبب مؤامرته ضد الحكومة الكوبية، لكنه لم يستسلم حينها وواصل نشاطه الثوري ولكن بسرية تامة.

الثورة في كوبا مع صديقه فيديل كاسترو
كانت الحياة في كوبا عام 1957 جيدة بالنسبة إلى نخبة المجتمع في ظل نظام الرئيس باتيستا، لكن مستوى حياة تلك الأقلية المرتفع كان قد تحقق على حساب بؤس الكثيرين، فقد كان نظام باتيستا وحشياً وقمعياً وفاسداً لدرجة أن حوالى 50% من الناتج المحلي الإجمالي، كان مهدوراً بسبب الفساد الذي عمّ البلاد حينها.
زحف تشي غيفارا مع صديقه فيديل كاسترو إلى كوبا، في كانون الثاني/يناير عام 1957، مع العديد من الأشخاص من جبال سييرا مايسترا لتحرير كوبا، وخاضوا حرب عصابات إستمرت سنتين مع نظام باتيستا، الذي كان مسلحاً من قبل الولايات المتحدة، وقد لاقت ثورة تشي غيفارا في كوبا تأييداً كبيراً من الكوبيين، وبالرغم من موت العديد من رجاله، إلا أن العديد من الكوبيين كانوا قد إنضموا للثورة، وبخاصة عند تحرير الثوار لسانتا كلارا، مما دفع باتيستا إلى الفرار من هافانا إلى البرتغال، وبذلك إستولى تشي غيفارا مع رفاقه على العاصمة هافانا، بعد أن خاضوا أعنف المعارك، وقد إبتهج الكوبيون إحتفالاً بوصول تشي غيفارا وفيديل كاسترو إلى كوبا.
نالت حركة 26 يوليو النصر ضد باتيستا، وتولى كاسترو الحكم في كوبا بعد الإطاحة بالنظام الديكتاتوري، وترأس تشي غيفارا البنك الوطني لكوبا، بعد أن حصل على الجنسية الكوبية في 9 شباط/فبراير عام 1959، ثم أصبح وزيراً للصناعة بعد 3 سنوات؛ وساعد على تحول العلاقات التجارية في البلاد من الولايات المتحدة الأميركية إلى الإتحاد السوفياتي، ونفذ خططاً لإعادة توزيع الأراضي وتأميم الصناعة هناك، إذ ترأس وفداً رسمياً لزيارة عدد من البلدان عام 1959، منها الإمارات وسوريا ومصر، وإلتقى بالرئيس الراحل ​جمال عبد الناصر​، ثم ذهب إلى الهند وتايلاند واليابان وإندونيسيا وباكستان.
في نهاية عام 1960 فرضت الولايات المتحدة الأميركية حصارها الكامل على كوبا، وترأس تشي غيفارا وفداً كوبياً رسمياً في جولة إلى دول إشتراكية منها الإتحاد السوفياتي وشرق أوروبا والصين، إضافة إلى كوريا الشمالية، وبعد سنة من ذلك أي في عام 1961 كانت الولايات المتحدة الأميركية، قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع كوبا.

خليج الخنازير
في 17 نيسان/أبريل عام 1961، قصفت الولايات المتحدة خليج الخنازير في كوبا، مما سبب إشتباكات عنيفة مع الثوريين ومنهم تشي غيفارا، قبالة الساحل الغربي لبينار دل ريو، وإنتهى الإشتباك بفوز الثوريين بالرغم من قلة عددهم، بالمقارنة مع إمكانيات الولايات المتحدة.
وفي آب/أغسطس من العام نفسه أرسل تشي غيفارا رسالة إمتنان للرئيس الأميركي جون كينيدي، إثر القصف الأميركي لخليج الخنازير عن طريق ريتشارد غودوين، الذي يعمل لصالح البيت الأبيض، ذاكراً برسالته: "شكراً لما فعلتم في خليج الخنازير، قبيل هذا الغزو كان الثوار غير واثقين من أنفسهم، ولكنهم الان أقوى من أي وقت مضى".

تخليه عن المناصب وتصدير للثورة
بعد إغتيال رئيس وزراء ​الكونغو​ في أفريقيا، كذلك إحتكار الولايات المتحدة الأميركية للمواد الخام الاستراتيجية هناك من نحاس ومعادن مشعة، بدأ تشي غيفارا بدراسة الوضع من جميع جوانبه، لقيادة ثورة ضد الولايات المتحدة في أفريقيا، وفي عام 1965 وصل إلى برازافيل ليبدأ رحلته الأفريقية الرسمية، ملتقياً مع الأفارقة الثوريين ليتفقوا أن الإمبريالية هي عدوهم المشترك، ومنها ذهب في زيارة لغانا وغينيا وداهومي و​الجزائر​.
وبعدها عاد تشي غيفارا إلى هافانا في عام 1965 مقرراً أن يغادر المناصب التي تولاها سابقاً في كوبا، ليتفرّغ إلى تصدير أفكار الثورة الكوبية إلى أجزاء أخرى من العالم.

يتبع في الجزء الثاني.. إضغطهنا