دارينا الجندي ممثلة وروائية لبنانية، عاشت حياة صاخبة بالأحداث متحررة من "الواقع العربي"، الأمر الذي دفعها إلى الإستقرار في فرنسا حيث وجدت البيئة المناسبة لهويتها الفنية والشخصية.

تمتلك الجندي أرشيفاً كبيراً من الأعمال التي تنوعت ما بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة أيضاً، جابت بأعمالها العالم أجمع، وخاضت بشخصياتها مختلف اللغات سواءً العربية أو الأجنبية.

وبعد غياب، عادت الجندي إلى الدراما اللبنانية من خلال مسلسل "بالقلب"، إضافة إلى مشاركتها في بطولة مسلسل "النحات" واللذين عرضا خلال رمضان الفائت، فعن هذين العملين كان لنا هذا اللقاء معها للحديث أكثر عنهما، إضافة لغيرها من المواضيع.

تعودين إلى الدراما اللبنانية من خلال مسلسل "بالقلب"، كيف كانت هذه العودة؟ ولماذا إخترت هذا المسلسل بالتحديد؟

أولاً العودة أتت لأنه أصبح لدي وقت أكثر بالنسبة لعملي هنا في فرنسا، وثانياً لأن المنتجة مي أبي رعد أقنعتني، فكان اللقاء الأول معها جيداً جداً، وأحببت الشخصية جداً والتعاون مع بعضنا.

وعندما إستلمت النص وقرأته أعجبت بنص الكاتب طارق سويد وكلامه وتحمست، وعند التصوير وتعاملي مع المخرج جوليان معلوف الذي لم أكن أعرفه من قبل، أيضاً فرحت بالعمل معه إضافة إلى أن فريق العمل كان لطيفاً جداً ومريحاً.

ولهذا كان خياراً جيداً أني عدت، وأشكر مي على هذا الأمر.

هل خفت من أداء شخصية "أمال" في العمل؟ خصوصاً انها شخصية مثيرة للجدل..

كلا، لماذا عليّ أن أخاف، هذا مجرد دور.

طبعاً، ولكن أحياناً الدور يترك إنطباعاً لدى الجمهور عن الممثل، فمثلاً الممثلة سمارة نهرا التي تؤدي دور "روز" في العمل أخبرتنا عند الحديث معها أنها خافت من الدور بأن لا يتقبلها المشاهدون..

كلا أنا لست من هؤلاء الأشخاص الذين دائماً يسعون لأخذ الأدوار الجيدة لكي يراهم الجمهور جيدين، فأنا ممثلة ألعب كل الأدوار التي أراها جميلة وتناسبني طبعاً، وخصوصاً أن الأدوار من هذا النوع تغري الممثل أكثر لأنها تحتوي على مجهود أكبر.

كيف ترين الدراما اللبنانية؟ وهل تتابعين أعمالها؟

طبعاً، ودائماً أحب أن أرى ماذا يحدث، ومن هي الوجوه الجديدة، وأن أبقى على تواصل مع المنطقة، فأشاهد الأفلام والمسلسلات الجديدة، وأطلع على ما يكتب في الصحافة، خصوصاً الصحافة "الثقافية".

سنراك أكثر في الدراما اللبنانية؟

حالياً لا نعرف ماذا سيحدث لاحقاً بسبب أزمة فيروس كورونا، لكن من يتواصل معي حول عمل معيّن، فإن أعجبني وكان فريق العمل الذي سأعمل معه جيداً، فأنا جاهزة.

بالنسبة لمسلسل "النحات"، ما ردّك على الإنتقادات التي تعرض لها بأنه ليس وفق التوقعات وأن القصة يلفّها الغموض كثيراً؟

يمكن الحديث عن رأيين، فهناك مشاهدون أشاروا إلى أن العمل يجعلهم يفكرون ولا يقدم كل شيء على طبق، وهناك آخرون قالوا إن المسلسل غامض جداً، هذه ليست مشكلة فالجمهور عليه أن يشاهد وقد يحب وقد لا يحب فهذه حريته، ونحن علينا أن نقدم المنتَج والأمر يعود له.

أنا شخصياً، أحببت عدم السهولة بتقديم العمل وقصته، أحببت عمل المخرج مجدي السميري الذي وضع مزيداً من الغموض على العمل من خلال لقطاته، إذ أن حبكة القصة تتطلب هذا الغموض الذي فرضه الإخراج، وأظن أنه نجح به.

وأعتقد أن بعض الناس التي لم تحب العمل، لأنه عمل لا ينحصر في ظروف معيّنة والتي يفرضها شهر رمضان، إذ إن المشاهد يكون مشغولاً أحياناً بالطعام فلا يمكنه التركيز، والمسلسل يحتاج فعلاً إلى التركيز.

كنت تفضلين عرضه خارج رمضان؟

هو سيعرض على NETFLIX بعد رمضان، وأعتقد أن من سيشاهده هناك سيحظى بتركيز أكبر ويفهمه أكثر، لأنه فعلاً إن أضعت منه مشهداً ستضيع بالحبكة بشكل عام.

تجربتك الأخيرة لبنانياً، أيضاً كانت بفيلم "بلا هيبة" مع الممثل اللبناني عباس جعفر، كيف كانت وخصوصاً مع عباس الذي أحدث جدلاً بشخصيته الفنية؟

فريق العمل كان لطيفاً جداً، واستمتعت بالعمل معه، فالمخرج رافي وهبي كنت أول شخص أقترح إسمه ليقدم دوراً معي عندما كان ما زال يدرس في المعهد في الشام، فعملنا معاً في مسلسل "تلّ الرماد" عام 1996، وكلّمني من أجل الفيلم، وقال لي إنها المرة الأولى التي يخرج فيها ويريدني أن أكون معه، وبالنسبة لي لم أستطع الرفض.

وكانت الفترة التي صورت بها مشاهدي قصيرة جداً، خمسة أيام فقط، لكنها كانت من أجمل الأيام، خصوصاً أن المنطقة والمنزل اللذين كنا نصور بهما جميلان جداً.

أما عباس فكان شخصية لطيفة جداً، كما كل فريق العمل، فالممثل كميل سلامة أحبه جداً، وكذلك الممثلة ميراي بانوسيان والكل.

اليوم تنتشر بشكل كبير الأعمال العربية المشتركة، كيف تقيمينها؟ وبرأيك هل أثرت سلباً سواءً على الدراما اللبنانية أو السورية أو أغنتهما؟

هي للصراحة، أغنت الدراما اللبنانية وأضعفت الدراما السورية.

كيف؟

الدراما السورية لم تكن بحاجة للدراما اللبنانية، بل الأولى دفعت الدراما المصرية إلى تغيير لونها، وذلك نظراً لما كانت عليه الدراما السورية من إنتاج ضخم وناجح، فكانوا من أوائل الأشخاص الذين غيروا منطق العمل، بالخروج من ستوديوهات التصوير، وبينهم المخرجون هيثم حقي، نجدت أنزور وحاتم علي، فقدموا إنتاجات إلى اليوم نتكلم عنها في الإنتاجات التلفزيونية العربية، وأنشأوا قسماً للإنتاجات الدرامية السورية، ولهذا فهي لم تكن بحاجة إلى أحد.

أما الدراما اللبنانية كانت وقتها شبه معدومة، أو محلية، فلم تخرج إلى الخارج، ولهذا فإن إشتراك الدراما اللبنانية مع الدراما السورية جعلها تنتشر وتتوزع، ولهذا إستفادت أكثر.

إضافة إلى أن العاملين في الدراما اللبنانية إكتشفوا طريقة عمل العاملين في الدراما السورية.

وماذا بالنسبة لهذه الأعمال بشكل عام؟

أما بالنسبة للأعمال العربية المشتركة بشكل عام، فعلينا أن نتخلص من فكرة التبرير في هذه الأعمال بالنسبة لخلط الجنسيات، أي علينا التعايش مع فكرة الخلط هذه، فاللبنانيون متواجدون في سوريا والعكس صحيح، والخلط أساساً يغني الأعمال، فنحن عندما أقمنا أعمالاً مشتركة كان هناك من العراق وتونس ومصر وسوريا، وهذا أمر ليس خطأ.

ولكن المهم في هذا المجال، أن على الممثل الذي سيقدم شخصية عراقية أو تونسية أو مصرية أو من أي جنسية، عليه أن يحترم هذه الشخصية بإتقانه للهجة.

وهذا تحديداً ما ينطبق علي أنا تحديداً في أعمالي التي قدمتها في مختلف البلدان ومختلف الشخصيات، إذ ألجأ إلى مدرب خاص لكي أتمكن من إتقان اللهجة، فأنا متمكنة من اللهجة التونسية والعراقية والفلسطينية والفرنسية وغيرها الكثير.

كروائية وممثلة، أين تجدين نفسك أكثر؟

في الإثنين، فكل مجال منهما هو باب مختلف وعالم مختلف ويأخذك إلى مكان مغاير، فمثلاً اليوم خلال فترة الحجر المنزلي وتوقف التصوير، لجأت إلى الكتابة، فكان أمراً مفيداً بالنسبة لي.

وكممثلة، بين الدراما والمسرح، أين تجدين نفسك؟

إن كان سينما أو تلفزيون أو مسرح أو إذاعة، كوني هنا في فرنسا أعمل في الإذاعة أيضاً، فهي جميعها أدوات تعبير، والأمر يعود لي كيف أستعلمها، وكل واحدة منها تختلف عن الأخرى بطريقة تعبيرها، وبالجمهور الذي تلمسه.

وكل واحدة منها هي تحدٍ مختلف، وأحب العمل بها جميعا.

هل من الممكن أن تعودي للإستقرار في لبنان؟

كلا، مستحيل أن أعيش في أي مكان في المنطقة العربية.

لماذا؟

طبيعة حياتي، ومساحة الحرية، ومساحة حرية التعبير، والحياة اليومية الشخصية، فأنا اخترت أن تكون فرنسا وطني، لأنها قدمت لي الحضن والوطن والظروف التي تناسبني لكي أعيش.

بعد هذه المسيرة الفنية الطويلة المليئة بالنجاحات، ما هو الشيء الذي لم تحققيه بعد؟

أمور كثيرة، إن كان بالتمثيل في المسرح أو السينما أو الكتابة أيضاً، فلدي مشاريع تتوجه قليلاً نحو الإخراج.

هل هناك من دور كنت تتمنين تقديمه ولم يحصل بعد؟

نعم، الكثير من الأدوار، ولكن الدور المحبب لقلبي ومنذ فترة طويلة ولدي رغبة في تقديمه وانشاءالله قريباً أستطيع أن أحقق لنفسي هذا الحلم هي شخصية مي زيادة.

فروايتي الثانية كانت عنها، واليوم أعمل على تحويلها إلى فيلم روائي، قد يكون من إنتاج مشترك فرنسي وعربي، ولكن باللهجة الفرنسية.

بعد مرور هذه الفترة وعودة الحياة إلى طبيعتها، هل من أعمال جديدة؟

كان لدي فيلم فرنسي إسمه "Sisters In Arms"، وكان من المفترض أن يعرض في صالات السينما مع بداية الحجر، وكان لدي أيضاً عدة أفلام كان من المفترض أيضاً أن تعرض في صالات السينما، منها فيلم أسترالي، وفيلمان فرنسيان، وفيلم تونسي وفيلم عراقي وفيلم ألماني، تقريباً جميعها إنتهى العمل بها، وكان من المفترض أن يتم عرضها في عدد من المهرجانات، ولكن كلها تأجلت بسبب فيروس كورونا.

مع كمية هذه الأعمال الكبيرة والمنوّعة من حيث اللهجات، هل تشعرين أحياناً بالضياع بينها، أي بين الشخصيات؟

صراحةً، العام الماضي حصلت معي في أحد الأعمال، إذ إنني لا أحب أن أصور أكثر من عمل في الوقت نفسه، فاضطررت أن أعمل على أكثر من مشروع في نفس الوقت، وخلال تصوير أحد المشاهد وصلت إلى موقع التصوير بعد ساعات سفر طويلة، إذ كان كل عمل في بلد مختلف، فسألتهم عن إسم شخصيتي وما هو الفيلم، إذ إنني نسيت التفاصيل كلياً.

ماذا غيرت بك أزمة فيروس كورونا على الصعيد الشخصي؟

لا شيء، فما زلت كما أنا، لكنها تغير في العالم والناس، سواءً بطريقة المهنة ولاسيما المسرح والسينما والمهرجانات، كيف سيعود الجمهور للحضور إلى هذه الأماكن، ولهذا علينا الإنتظار لرؤية ماذا سيحصل.

كلمة أخيرة عبر موقع "الفن" وتحديداً لجمهورك اللبناني؟

إن شاء الله نكون عند حسن الظنّ، وإلى اللقاء في القريب العاجل بعد مرور هذه الأزمة.