يُعتبر ​إيدير​ سفير الأغنية الأمازيغية في العالم، مزج بين إيقاعات محلية وغربية، وألّف وغنى أعمالاً مطبوعة بحس إنساني عميق، فتحت له آفاق العالمية.
يتميّز في إختياراته الفنية، بروح الإلتزام والحس الإنساني والتشبث بالهوية والأرض والذاكرة، وهو صاحب مسار متفرد نقله من عوالم الجيولوجيا والنفط، إلى أهم مستويات الفن.

نشأته
ولد إيدير، واسمه الحقيقي حميد شريت، يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر عام 1949، بقرية نائية في أعالي جبال جرجرة، تدعى آيت لحسين، تقع في أعماق منطقة القبائل الأمازيغية ب​الجزائر​، وتبعد 35 كيلومتراً عن تيزي أوزو، عاصمة القبائل الكبرى. كان والده راعياً ونشأ في كنف أسرة مطبوعة بالثقافة الأمازيغية.

إكتشاف موهبته الموسيقية
اكتشفت إيدير مواهبه الموسيقية في المدرسة الابتدائية، ووجّهه أستاذ العلوم الطبيعية إلى تعلّم عزف الغيتار، ومع ذلك ظل مركزاً على دراسته التي واصلها، متخصصاً في شعبة الجيولوجيا، وكان يفترض أن يخوض حياته المهنية في قطاع البترول، لكنه إستسلم في النهاية لشغف الفن والحاجة إلى التعبير عن ذاته، عن طريق الغناء والموسيقى.

صدفة صنعت نجوميته
منذ طفولته كان إيدير مشدوداً إلى فن الكلمة بعمقها الشعبي التراثي، إيقاعاً وشعراً، لكن البداية الممهدة للإحتراف كانت عن طريق الصدفة، إبتداءً من عام 1973، حينما حلّ مكان فنان مريض في أداء أغنية للأطفال على أثير الإذاعة، مما أثار الإنتباه إلى جمال صوته، الذي استمعت إليه والدته، من دون أن تعرف أنه صوت إبنها.
مضى في العام نفسه لأداء الخدمة العسكرية، وبعد عودته سجل الأغنية التي لا زالت حتى الآن أعظم أعماله "أفافا إينوفا"، وذلك في أستوديو القناة الأمازيغية بالجزائر العاصمة، وتخلد الأغنية أسطورة أمازيغية لفتاة تدعى غريبا، تظل طيلة اليوم في الغابة تجمع الثمار من أجل أبيها العجوز وإخوتها الصغار، فإذا حل المساء، تعود إلى بيت أبيها وهي متعبة، تطرق الباب فيحتار الشيخ إينوفا هل يفتح الباب أم لا، خوفاً من وحش الغابة. يتفق العجوز إينوفا مع ابنته غريبا على أن ترج أساورها ليتأكد من أنها ابنته، تدخل البيت وترتمي في أحضان والدها العجوز، فتنشد أغنيتها.
وفي عام 1979 أعاد إيدير التجربة بكتابته لمجموعة من الأغاني، التي تضمنها ألبومه الثاني "أياراش إناغ"، وبعد النجاح المدوي للبدايات خصوصاً مع "أفافا إينوفا"، التي كانت أول قطعة غنائية من شمال أفريقيا تحقق العالمية.

غاب في الثمانينيات وعاد في التسعينيات
شكل عقد الثمانينيات مرحلة إحتجاب لإيدير، قبل أن يعود عام 1991 للأستوديوهات، وأعاد تسجيل 17 أغنية من الألبومين الأولين، وأحيا حفلاً ناجحاً ب​باريس​ في شباط/فبراير عام 1992، ليصنف النمط الفني لإيدير ضمن "الموسيقى العالمية".
وفي عام 1993 أطل بعمل جديد أدخله عالم الإحترافية مع فرقة بلو سيلفيري، من خلال توظيف إيقاعات موسيقية تتضمن الغيتار والناي والأورغ، إضافة إلى الدربوكة، وصعد منصة قاعة الأوليمبيا الشهيرة في باريس، لمدة ثلاثة أيام على التوالي، وشارك في 22 كانون الثاني/يناير عام 1995 في حفل من أجل السلام، في إطار جمعية "الجزائر الحياة"، التي يرأسها الفنان ​الشاب خالد​.
ولعل عناوين أغانيه وألبوماته تعكس روح الأغنية الأمازيغية، على غرار "القرية الصغيرة" و"الجزائر في قلبي" و"هويات: ضفتان وحلم واحد" و"​فرنسا​ بالألوان".
أدى إيدير الذي كان يؤلف أغانيه بنفسه، 11 أغنية تركزت في مجملها حول التراث الشعبي الأمازيغي، كما إشترك في أداء أغانٍ مع عدد من المغنيين العالميين كالفرنسي ​شارل أزنافور​، ومواطنه الشاب خالد.

عودته الى الجزائر ودعمه للتظاهرات
عاد إيدير، الذي ناضل من أجل الإعتراف بهوية منطقة القبائل الثقافية، في كانون الثاني/يناير عام 2018، إلى العاصمة الجزائرية، بمناسبة رأس السنة الأمازيغية، بعد غياب دام 38 عاماً.
وفي مقابلة صحفية في نيسان/أبريل عام 2019، تحدث عن التظاهرات الشعبية في الجزائر، ورحيل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأوضح: "أحببت كل شيء في هذه التظاهرات: ذكاء الشباب وعزمهم على إبقائها سلمية (..) أشعر بأني عشت مرحلة سعادة مطلقة مدتني بنفحات أوكسجين. وأنا مصاب بتليف رئوي وأعرف جيدا عما أتكلم".

وفاته
توفيإيديرمساء السبت 2 أيار/مايو عام 2020 بمسنشفى بيشات كلود بيرنات، في العاصمة الفرنسية باريس، عن عمر يناهز الـ70 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض.
وقد قررت أسرةإيديردفنه بالضاحية الباريسية، الأمر الذي أثار جدلاً كبيراً في الأوساط الثقافية والسياسية، وإنتقدوا عدم نقل جثمان الراحل إلى بلاده.
ولكن إبنة الراحل "تانينا" ردت على ذلك، قالت إن الوضع الصحي الراهن، في ظل التدابير المشددة للوقاية من ​فيروس كورونا​، هو ما دفع العائلة لإقامة مراسم الجنازة في فرنسا.