لم ينطفئ نجمه حتى في بعده عن ​هوليوود​ لسنوات خلت، هو المحارب الشهير بدور سبارتاكوس في الملحمة الكلاسيكية "​Spartacus​"، التي قدمها في العام 1960، إستطاعكيرك دوغلاس​أن يُحقق نجومية عالية شعبياً ليكسر قائمة هوليوود السوداء، منتصراً على التهميش المهني الذي مورِس بحق الممثلين والمخرجين والمؤلفين، بسبب صلاتهم الشيوعية في الخمسينيات من القرن الماضي.

واجه ​العنصرية
إسمه الحقيقي (Issur Danielovitch)، وهو من مواليد 9 كانون الأول/ديسمبر عام 1916 في مدينة نيويورك، لكنه واجه العنصرية في مجال عمله لكونه من أبوين مهاجرين يهوديين من ​بيلاروسيا​، إلا أن كيرك دوغلاس إستطاع أن يثبت نفسه خلال العصر الذهبي في عالم هوليوود، وهذا ما أكسبه إحتراماً في الوسط الفني برز في تعامل النجوم مع حضوره وفي مرحلة إنكفائه.

سطوع نجمه وترشيحه للجوائز
لمع نجم كيرك دوغلاس في أكثر من 80 فيلماً، خلال مسيرة فنية إمتدت لأكثر من سبعة عقود، قدم خلالها أعمالاً سينمائية ومسرحية، وحقق نجاحاً على شباك التذاكر في عزّ عطائه، وبرز أيضاً في فيلم "The Vikings" بدور مميز فقد فيه عينه.
ملامح كيرك دوغلاس كانت قاسية، فقد إشتهر بأداء الشخصيات القوية الحادة، لكنه كان متطلباً لدرجة أنه أصبح يوجّه المخرجين بدلاً من قبول توجيهاتهم، خصوصاً بعد أن إلتحم بشخصية "سبارتاكوس"، التي سيحفظ التاريخ صرخته المدوية فيها خلال المشهد الأكثر شهرةً بالفيلم، عندما يخاطب رفاقه المتمردين، وقد كان مأسوراً بينهم من قبل الجيش الروماني: صارخاً "أنا سبارتاكوس!".
رُشح لجائزة ​الأوسكار​ 3 مرات، في العام 1949 عن دوره كملاكم في فيلم (Champion)، وعن فيلم (The Bad and the Beautiful) في العام 1952، وعن فيلم (Lust for Life) في العام 1956، ولم يفز بها، لكنه كُرّم لاحقاً بالجائزة الفخرية عام 1996 تقديراً لخمسين عاماً من العطاء الفني، وترأس لجنة تحكيم مهرجان الأوسكار ذات مرة، كما تم ترشيحه لجائزة إيمي عن دوره في تصوير "الجنرال كالثروب"، في حكايات من حلقة القبو "Yellow".

الجلطة و​الإنتحار​ ونجاته من ​الموت
واجه كيرك دوغلاس العديد من المحطات المفصلية في حياته الخاصة والمهنية، فقد أصيب بجلطةٍ دماغية في العام 1996، عندما كان في الثمانين من عمره، وهو ما أعاق قدرته على الكلام، بسبب جمود أعصاب وجهه. لكنه رغم ذلك، حضر بعدها بأسبوعين حفل الأوسكار ليستلم "جائزة إنجاز العمر" عن مجمل أعماله في العام 1996، وإستمر في أداء عدد من الأدوار الصغيرة حتى العام 2008.
وذكر في تصريحه لإحدى المجلات في العام 2014، أن الجلطة حرّكت فيه الرغبة للانتحار، لكن الفكاهة أنقذته"، شارحاً أنه حاول إطلاق النار بفمه، لكن المسدس إصطدم بأحد أسنانه فشعر بالألم، فتحركت به حاسة الفكاهة بعدما تأوه من الوجع، وإنفجر ضاحكاً لأن وجع أسنانه ردعه عن الانتحار !
وقبل نجاته من محاولة الإنتحار، نجا كيرك دوغلاس من حادث طائرة هليكوبتر، مات فيه إثنان في العام 1991، وظلّ يلوم نفسه آنذاك على موت الشابين، فدوّن لاحقاً في كتابه: "شعرت لأول مرة بالذنب لأني على قيد الحياة عندما تعرضت لحادث تحطم طائرة هليكوبتر الذي قُتل فيه شابين أحدهما كان يبلغ من العمر 18 عاماً، ويستعد للالتحاق بالجامعة. كنت في المستشفى وأجريت لي عملية في الظهر، ولكني كنت أبلغ من العمر 75 عاماً. فلماذا بقيت على قيد الحياة ولقي هذا الشاب حتفه بينما كانت حياته على وشك أن تبدأ ؟".
ويُقال إن كيرك دوغلاس عاد لممارسة شعائره الدينية بعد الحادثة، التي نشر عنها كتاباً يتضمن شعراً ونثراً وصوراً في العام 2014، علماً أنه ساهم بالعديد من التبرعات عبر مؤسسة دوغلاس الخيرية.
وكان قد تبرّعكيرك دوغلاسبعيد ميلاده الـ99 بمبلغ 15 مليون دولار أميركي، لصندوق السينما والتلفزيون، للمساعدة في بناء منشأة لإيواء العاملين بهذا القطاع، ممن يعانون من الزهايمر.

كتابه الأخير عن الموت و​أنجلينا جولي
طرح كيرك دوغلاس كتابه التاسع والأخير في التسعين من عمره، وضمّنه فصولاً تحمل العناوين والأفكار والتساؤلات عن الموت، الذي سيطر على تفكيره، لكنه رأى الأمر طبيعياً لأن التفكير بالموت مسألة عادية لرجلٍ في مثل سنه، ويبدأ المرء بمراجعة محطات حياته ويتساءل عن جدوى الأعمال التي قام بها، ومدى صوابيتها وصحة مواقفه.
وكان رغم شهرته فكاهياً بطبعه، فعندما كشف أمنيته في عامه الـ91، قال ممازحاً: "أتمنى أن ألتقي بأنجلينا جولي.. اذا وافقت زوجتي".
وقد وحقق حلمه بمشاركة البطولة مع إبنه النجم ​مايكل دوغلاس​ وحفيده كاميرون دوغلاس، دراما رجل مريض" It Runs in the Family" في عام 2003، الذي لعب فيه دور الأب يبحث عن ابنه التائه.

نضاله السياسي
عُرِفَ كيرك دوغلاس بنضاله السياسي في الحزب الديمقراطي الأميركي، وقالت صديقته القديمة مارسيا نيوبيرجر، التي تحدثت عن سيرته الذاتية لإحدى الصحف، أنه توفي بهدوء في منزله بيفرلي هيلز بولاية كاليفورنيا حيث كان محاطاً بالأسرة وبأولاده وأحفاده، وبالطبع زوجته البالغة من العمر 65 عاماً.
وأضافت: "عاش دوغلاس حياته واستمتع بسنواته الـ103 كاملةً. ولقد توفي كديمقراطي مخلص بالوقت المناسب في اليوم الأخير من محاكمة الرئيس دونالد ترامب في قضية عزله. لقد كان وطنياً حقيقياً".

ظهوره الأخير ووفاته
أخر ظهور له، كان في حفل "​غولدن غلوب​"، وأطلّ على الكرسي المتحرك مع زوجة إبنه النجمة ​كاثرين زيتا جونز​، في كانون الثاني/يناير عام 2018، وسط التصفيق الحار والحفاوة الكبرى.
وتوفيكيرك دوغلاسيوم 5 شباط/فبراير عام 2020، عن عمر يناهز الـ103 أعوام، بعد مسيرة فنية حافلة إستمرت 60 عاماً.
وأعلن إبنه مايكل دوغلاس، خبر وفاة والده في بيان عبر صفحته الخاصة على أحد مواقع التواصل الإجتماعي، وقال: "ببالغ الحزن والأسى أعلن وأخوتي رحيل كيرك دوغلاس عنا اليوم عن عمر 103 أعوام".
وأضاف: "كان أسطورة لدى العالم، فنان من عصر السينما الذهبي استمتع بسنواته الذهبية، إنسان سيظل التزامه بالعدل والقضايا التي يؤمن بها مصدر إلهام لنا جميعا".

وصيته
بعد أيام على وفاته، تم الكشف عن وصيةكيرك دوغلاس، والتي قرر فيها التبرع بثروته الضخمة كلها، للمؤسسات الخيرية، بينما لم يترك شيئاً لإبنه مايكل دوغلاس.
وبحسب صحيفة "ميرور" البريطانية، فإن ثروة كيرك دوغلاس، التي تقدر بـ61 مليون دولار أميركي، ذهبت كلها لمؤسسات خيرية، ستشرف على توزيعها مؤسسة "دوغلاس الخيرية"، بينما لم يشمل كيرك إبنه مايكل في الوصية.
ومن ضمن المؤسسات الخيرية التي كشفت عنها الصحيفة، جامعة سان لورنس، ومعبد "ويست وود سيناي"، ومسرح كيرك دوغلاس في كولفر سيتي، ومستشفى الأطفال في لوس أنجلوس.