نستذكرها لأنها لم تغب، أدبها وعبق كتاباتها هما أريج من نسيم الارز الشامخ لا ينحني. نستذكرها لانها إمرأة بحجم وطن الثقافة والايمان، وهي الباحثة دائما وابدا عن الحقيقة.

مي مر الشاعرة والمؤرخة التي جعلت من لبنانها حياة وقضية، كرست له حياتها وانشغالاتها وعطاءاتها.

مي الباحثة عن المعرفة دائما بين ثنايا الكتب التاريخية، والكتاب المقدس على وجه الخصوص، أعطت للبنان الكثير من القيم سياحياً وثقافياً وأدبياً.

حاولت وسعت طيلة حياتها إلى تعويم المشهد السياحي في لبنان من خلال الاضاءة على روعة أماكنه السياحية، وخصوصا بعلبك التي كانت تطالب مي بإدخالها مجموعة عجائب الدنيا السبع نظرا لتاريخها وفن عمرانها وهيبة مكانها.

مي مر كانت أول من أثبت، وبالوثائق التاريخية، ان ​قانا الجليل​ التي قام بها السيد المسيح بأعجوبته الأولى، تقع في جنوب لبنان، وقد تأرخت هذه الحادثة في عدد من صحيفة "لسان الحال" في العام 1966.

وعندما توجهنا إلى قانا الجليل لنجري ريبورتاجاً خاصاً، لاحظنا أن كل أهالي البلدة الذين عايشوا مي ورافقوها، وخصوصاً السيد علي ماضي، يحبونها ويحترمونها، وهم الذين ساعدوها لتثبت أكثر أن قانا الجليل تقع في جنوب لبنان.

تركت مي مر إرثا ادبيا وفنيا كبيرا للشعراء والادباء، أكثر من ألف مخطوطة والعديد من الكتب تحت الطبع، عدا عن الكتب التي طبعت منها "إليسا"، "بحبك"، Quatrains، Pourqoi Les Roses، وغيرها الكثير من الكتب، ولعائلتها تركت إرثا فنيا ومعنويا في غاية الفخر والكبر، هذه العائلة المرتمية بين أحضان الفكر والادب والاعلام.

وحين توفي إبنها كمال، لفت نعشه بالعلم اللبناني لأنه كان بطلاً يدافع عن لبنان خلال الحرب اللبنانية، وأصبحت تتواصل معه بعد وفاته على أنه قديس.

هنا لا بد من الإشارة إلى إيمانها الكبير، وتواصلها مع جميع القديسين وخصوصاً مع قديسي لبنان، والأشخاص الذين تعتبرهم مي قديسين، حتى لو لم تعلن الكنيسة بعد قداستهم، مثلما ذكرنا عن إبنها كمال، وكذلك الأب إسطفان صقر الذي توفي والذي كانت تعبره مي قديساً وكانت تطلب شفاعته، فهي لطالما كانت تقول إن لبنان أرض القديسين.

كان إيمانها يقوي إيمان زوجها فريدي، وإيمان زوجها فريدي كان يقوي إيمانها، إلى درجة أنه بعد أن توفي إبنهما كمال، وبعد تشييعه في لبنان، حين أراد أخوته أن يعود كل منهم إلى البلد الذي يعيش فيه، قالت لهم مي إن كل واحد منهم ذاهب إلى بيته ما عدا كمال فلقد ذهب إلى القبر، فأجابها فريدي بأن كمال ليس في القبر، بل هو في السماء، وبأنهم يزورونه في الكنيسة.

حين كنت أقول لها إنها ما دامت مؤمنة ليس عليها أن تبكي رحيل كمال، فأجابتني بأنه حتى العذراء مريم بكت عند صلب يسوع، ونحن بشر ولا نستطيع ألا نعبر عن حزننا، وخصوصاً للأشخاص الذين نحبهم كثيراً.

بعد كل هذا التواصل مع كمال، كتبت مي كتاباً له بعنوان "كمال..قصة بطل" روت فيه كل أعمال كمال على هذه الأرض، وبعد رحيله عنها، ولكني كنت أتمنى لو كانت إستطاعت أن تنشر رسالة من الرسائل التي كان كمال يرسلها لها، ويعبر فيها عن فخره بوالدته الأديبة والمؤرخة التي تحب لبنان، وتشبه الأرز اللبناني.

مي مر لا ينتهي الكلام عنها .... أدبا وشعرا وايمانا، وهي التي إتسمت بإلتزامها الديني شعاراً وحقيقة وحياة. فلقد درجت في عاداتها على المحبة ومصالحة الناس وزرع الطيبة في النفوس.

حب مي ليسوع فاق التصور، فحين سألها الإعلامي ريكاردو كرم ذات مرة عن أهم شخصية في حياتها التي تحسب لها ألف حساب، أجابت "يسوع المسيح"، فصمت ريكاردو حينها وقال "بس؟" فأجابته "يسوع بيكفي".

لقد آمنت بالحقيقة، والحقيقة مع يسوع المسيح والتي تعلو معها فوق أي اعتبار. وهي المؤمنة بوحدة الكنيسة وعملها الجامع، وحبها لوحدة الاوطان، فلم تكن تميز بين مسلم ومسيحي، بل كانت تميز بين من يعمل لمصلحة لبنان ومن يعمل ضده.

ولعلاقتي بمي حكاية من حب صادق خصصتني بها وعززتها، فمنها تعلمت المحبة وحب الوطن واللاطائفية.

وخلال فترة مرضها إختضنت الايمان بيسوع حتى الرمق الأخير، ولم تتمرد يوماً على محبة الآب، وفي كل مرة كنت أسألها فيها عما اذا كانت تتألم، كانت تستذكر ما قاله الرب للقديس بولس "تكفيك نعمتي". لقد إكتفت من محبة يسوع، ولم تتذمر يوماً من الألم، وأكثر ما تمنته كان أن يبقى عقلها سليماً حتى اليوم الاخير من حياتها، وهذا ما حصل.

مي مر إمرأة مبادئ بكل ما للكلمة من فخامة، إمرأة من أدب وايمان وحب لن تتكرر ولو بعد مليون سنة، إمرأة من صنع الوطن والله، فماتت على رجاء القيامة حباً بيسوع لتبقى حياة أبدية بيننا.