اعلامية مميزة، صاحبة شخصية قوية ووجود يفرض نفسه اينما حلّ، تجمع الثقافة بسرعة البديهة وخفة الظل وسحر الاطلالة، حتى ترك غيابها عن الشاشة فراغا لدى كل من يهوى برامج التسلية والتثقيف والمسابقات الهادفة، والتي يمكن ان يقال على لسان الاجيال التي زامنتها انها "تيتّمت" من بعدها وتتحسر على ذلك الزمن الوقور والسلس في آن.
ميراي مزرعاني​....عملت في اهم الاذاعات والمحطات التلفزيونية اللبنانية والعربية، وقدمت برامج منوعات كان يُحسب لها الحساب وتُلغى المناسبات لحضورها وتمضية اوقات جميلة بمشاهدتها، نذكر منها: صوتك شغلة، باب الحظ، هيصة، اهضم شي وغيرها وغيرها من البرامج....ويكفي ان تكون ممن اكتسبوا الكثير من الراحل الكبير رياض شرارة لتحجز لنفسها مكانة خاصة في عالم الاعلام.....ميراي....حطّت رحالها منذ اكثر من سنة على اثير اذاعة Fame FM، لتقدّم يوميا في السابعة صباحا "احلى صبحية"، وكان لنا معها هذا اللقاء.

من الملاحظ انك تمضين اوقاتا رائعة برفقة المستمعين يوميا.

نعم بالطبع، وبصراحة لا يمكنني ان اجد من هم اكثر " هضامة" وخفة دم من مستمعي برنامجي. المميز في اذاعتنا ان من يستمعون الينا ويتابعوننا هم من كل الاعمار من الكبار والصغار وجميعهم يتفاعلون معنا ويشاركون في البرنامج، حتى ان البعض وهم من طلاب المدارس، يحرصون على الاتصال بنا قبل الوصول الى المدرسة لكي ندردش سويا بكل امر قد يخطر على بالهم وهذه الثقة والاهتمام مهمين جدا ويشعروننا الى اي مدى نحن قريبين من المستمعين. التفاعل بيني وبين المستمعين رائع واشعر معهم وكأنني فرد من افراد العائلة يشاركونه همومهم وآراءهم.

لقد قدمت هذا البرنامج لتحقيق هدف او فكرة معينة. هل تشعرين ازاء كل هذا النجاح انك حققت هذا الهدف؟

نعم بالتأكيد، واستطيع ان اثق بذلك من خلال نسبة الاستماع وايضا من خلال تجاوب الناس، وكشخص لديه خبرة في المجالين الاذاعي والتلفزيوني استطيع ان ألتمس هذا النجاح من خلال عدة امور، لعل اهمها الاقبال الكبير الذي يشهده البرنامج منذ انطلاقه منذ اكثر من سنة.

انت من المذيعات المخضرمات، كيف يختلف الامس عن اليوم في مجال العمل هذا؟

يختلف كثيرا، في الماضي لم يكن من المسموح او حتى من الممكن ان نقول كل ما يخطر ببالنا، كنا نتعب كثيرا في اعداد حلقاتنا الاذاعية، وكنت وعلى الرغم من التشدّد اسمح لنفسي في بعض الاحيان بأن اكون على سجيّتي لأمرّر ما ارغب بقوله بعفويتي المعهودة. كان يتطلب اعداد الحلقة الواحدة وقتا طويلا وبحثا حثيثا عن معلومات، والامر ليس كما هو الحال عليه اليوم، التواصل سهل والمعلومات تتوفر بسرعة وبكثرة.....

وكأنك تفضّلين اليوم على الامس؟

نعم بالتأكيد، اليوم هناك سهولة اكثر، انترنت وواتساب ومواقع التواصل الاجتماعي واتصالات، كل شيء اسهل اليوم. في الماضي "كنا نموت ونعيش تا نلاقي خبر"، نبحث في كل مكان، ونسأل ونستفسر ونبحث في الصحف وعلى المحطات. كل شيء بات اليوم اسهل، في حين كان اعداد الحلقة الواحدة يستنفذ وقتنا وجهدنا.

لديك تجربة وخبرة في العملين الاذاعي والتلفزيوني، ايهما تفضّلين؟

لكل منهما رونقه ولذته، انا احب التلفزيون كثيرا واحب الكاميرا، في التلفزيون شهرة واضواء وشعبية اكثر والناس يتابعونك صوت وصورة وانت تقدمين شيئا جميلا للناس الا انهم لا يستطيعون ان يتواصلوا معك، وهذا هو الفرق بين التلفزيون والاذاعة التي فيها قرب اكثر من الناس وحميمية فيها تجاوب سريع مع الناس....الاذاعة غير.... غير... غير.... ولكنني اجد نفسي في الاثنين معا...

يعتبر الكثيرون اليوم، ان زمن الاذاعة اصبح من الماضي.

لا يمكن ان يصبح كذلك، الاذاعة هي الرفيق في كل الاوقات ولكل الاعمار وتستطيع ان تكون معك على الدوام، الناس في سياراتهم على الطرقات يستمعون الينا ويتفاعلون معنا، وفي اتصالاتهم يعبّرون عن مدى فرحهم برفقتنا وبأننا نُهوّن عليهم المسافات وزحمة السير، الى جانب اننا نشكل بالنسبة اليهم في الكثير من الاحيان الملجأ للشكوى والحديث عما يرغبون في ايصاله من كلام. ويقولون لي نشعر انك تجلسين معنا وتشاركيننا حياتنا وامورنا. من غير الممكن ان ينتهي زمن الاذاعة هي رفيقة الناس في كل الاوقات.

ماذا قدم اليك التلفزيون وماذا اخذ منك؟

قدم لي الكثير، قدم لي الشهرة وهي في حينها لم تكن سهلة او موجودة كما هو الحال اليوم، الوقت الذي انطلقنا فيه كان وقت التلفزيون الحقيقي، مع احترامي للجميع. كان تحقيق الشهرة صعبا وكان نتيجة عمل ذاتي كبير ولم تكن التسهيلات الموجودة اليوم متوفرة وكنا نعمل على انفسنا بكل جهد وعناء لتحقيق واثبات موهبتنا عن جدارة. البث المباشر كان الاختبار الاصعب وخصوصا في ظل عدم وجود عدد كبير من الشاشات التي كانت محصورة في ذلك الحين بتلفزيون لبنان والمؤسسة اللبنانية للارسال، وكنت مقدمة البرامج الوحيدة في ذلك الحين.

وتضيف....التلفزيون اعطاني الكثير في لبنان وفي العالم العربي وفي العالم ايضا، انا افتتحت البث الفضائي في ال إل بي سي، واعلنت في ذلك اليوم اننا اصبحنا على القمر الصناعي. التلفزيون لم يأخذ مني بل اعطاني. صحيح انني اعطيته من تعبي وجهدي الا انه اعطاني الكثير في المقابل والعمل التلفزيوني رائع وفيه متعة كبيرة.

هل كانت للعمل التلفزيوني في فترة انطلاقتك متعة لا ينعم بها من يعملون بالتلفزيون من الجيل الحديث؟

المتعة الاكبر هي في ان نقدم برامج ناجحة وتعجب الناس وهذا ينطبق على كل الازمنة. "اليوم شو عبالو المذيع نيال قلبو كل شي مكتوب قدامو حتى النكتة"! لا اصدق ما آل اليه هذا الامر في ايامنا هذه!!! ردة فعل المقدّم وتفاعله وتأثره وضحكه وما الى هنالك، كلها تصرفات مدروسة مسبقا وعليه تنفيذها، وبذلك لا يستطيع ان يكون نفسه ولا تظهر قدراته وعفويته وثقافته ومشاعره على حقيقتها. لهذه الناحية كانت سابقا البرامج الحية اجمل بكثير فان يكون مقدم البرنامج على سجيته وطبيعته وان تأتي النكتة عفوية امور جميلة تُغني البرنامج وتزيد تفاعل الناس معه. واليوم مقدم البرنامج يعرض نفسه فقط.

كنت ادرس مقدمة البرنامج واحفظها قبل الانطلاق في الحلقة، لقد كانت المسؤولية كبيرة، وكل ذلك يبني شخصية المقدم ويصقلها ولا يأتي معلبا كما اليوم حيث يقدمون حفلات ضخمة باتباع المُعَد لهم حرفيا فتذوب شخصية المقدم وعندياته وتلقائيته.

لقد عملت في اكثر من محطة تلفزيونية، اي محطة هي المفضلة لديك؟

لكل منها مكانتها ، لقد عملت في ال "إل بي سي" وال "إم تي في" و"المستقبل" و"الجديد" وغيرها، وكل من هذه المحطات اعطتني حقي وزيادة. الا ان ال "إل بي سي" هي بيتي الاول وهي التي اطلقتني ولها مكانة خاصة لديّ.

برأيك هل انتهى زمن المذيعات التقليديات ولهذا السبب يتم ابعادهن عن الشاشات؟ هل تغيرت الذهنية التي كانت سائدة في السابق؟

الذهنية لم تتغير نحن من غيّرناها اصحاب المحطات هم من غيّروها. المذيعة يجب ان تكون شبيهة للناس الذين يشاهدونها لا ان تكون قادمة من الفضاء وطارئة عليهم وتأتي بكل انواع البدع والافكار الغريبة للفت النظر.

الاجيال التي عايشت الحقبة السابقة ترفض ذلك، ولكن جيل الشباب اليوم لا يرفضه....

جيل اليوم لا يشاهد التلفزيون اساسا، هو لا يهين نفسه واذا اردت ان تقاصصيه اطلبي منه ان يشاهد التلفزيون!!

وهل تتابعين برامج معينة؟

لا اتابع اي برنامج قطعيا، وهي (اعتذر) ولكنها لا تناسب مستواي الفكري، لا اجد برامج تهمني وتعنيني و تسليني وتثقفني وتلهيني. أُفضّل مشاهدة فيلم اميركي او أُُلهي نفسي بأي نشاط عائلي او مع اصدقائي ولا اهتم بالتلفزيون ابدا.

هل من مشاريع جديدة لك في الافق؟

المشاريع دائما موجودة ولكن المهم ان تناسبنا، كما انني لا افهم البعض في هذا البلد حين يقولون "يللا مشّينا ولو...هلقد بدك عالحلقة"! انه امر غريب حقا. اتمنى لو ان مقدمي البرنامج يصرّحون بما يتقاضونه للحلقة الواحدة....انه امر مخجل وغير مقبول وكأننا " عم نبيع فجل"!ما يتقاضاه المذيع عندنا مخجل، ليتهم يحذون حذو احترام الغرب لمقدمي البرامج وخصوصا اصحاب الخبرة الطويلة منهم، لكُنّا اصبحنا من اصحاب الملايين وكنا لنحظى بالتقدير.

كيف تختمين الحديث؟

اني اشكر الله على كل شيء انا سعيدة في حياتي ومتصالحة مع نفسي، بيتوتية ولديّ عائلة جميلة جدا، تزوجت احدى ابنتاي وارغب كثيرا في ان اصبح جدة.

وهل توجد موهبة تقديم البرامج لديهما؟

لدى ابنتي الصغرى.

وهل تشجعينها على خوض هذا المجال؟

انه مجال جميل جدا الا ان الاستمرارية فيه غير مضمونة في هذا الزمن. قد تكون الفكرة مقبولة كهواية فقط وخصوصا لانها ناجحة جدا في مجال عملها في التسويق وأشك في ما اذا كان يجب عليّ ان اشجعها على خوض هكذا تجربة....

أشكركم كثيرا على هذا اللقاء.