مخرج مبدع عاش خارج لبنان ، وحمل القضية اللبنانية في قلبه وأفلامه .

مؤخراً إتهم بالتطبيع مع إسرائيل ، ولكن أعماله تشير الى انه متعاطف مع القضية الفلسطينية .

من آخر إنجازاته فيلم "قضية رقم 23" ، والذي يلقى إقبالاً كبيراً في صالات السينما .

فيلم قضية رقم 23 أثبت أن هناك مستوى في الإنتاج اللبناني لم نشهده منذ زمن ، مبروك

الطاقم والقصّة ومستوى الممثّلين هو الذي أوصلنا إلى هذا المستوى. فمن جهة، عملت مع جويل توما، (أي زوجته السابقة) ، بدقّة كبيرة كي نتجنّب الثقل في الحوارات، بحيث يُركّز السيناريو على القصّة التي نودّ أن نرويها. أما العامل الآخر فهو أنّ جميع الممثّلين الذين عملوا معي في الفيلم وضعوا كل قلبهم فيه، وكانوا مقتنعين فعلاً بالفكرة وبالقصّة. تناقشنا سَلَفاً في بعض نقاط السيناريو المكتوب، أما خلال التنفيذ فلم يكن هناك أيّ نوع من الارتجال. ونقاط القوة هذه مجتمعة، تجعل الفيلم متيناً وتزيد حظوظ نجاحه.

ما سرّ تسمية الفيلم "القضيّة رقم 23"؟

أُعطِيَت تأويلات كثيرة لعنوان الفيلم، ولكن في الواقع ليس هناك أيّ سرٍ أو لغز في الموضوع.في الحقيقة، لست أنا من وجد هذا الاسم. أحد أعضاء فريق العمل، وهي سينتيا صوما، اقترحت هذه التسمية، وهي جملة مأخوذة من الفيلم، فأعجبت به كثيراً، وخصوصاً أنني لم أكن أريد أن يكون العنوان مترجَماً عن الإنكليزيّة والفرنسيّة أي أن يكون "الإهانة" أو "الشتيمة"، لأنّه ثقيل.

​​​​​​​في إفتتاح الفيلم أكدتَ أن البلبلة التي حصلت حول توقيفك في المطار أساءت إليك ولم تروّج للفيلم. إلى أي مدى كانت الإساءة كبيرة ؟

أنا لا أقول إنها أساءت فعلاً. في الحقيقة، الحملة التي حصلت حاولت الإساءة إليّ وإلى الفيلم ولكنّ الجمهور على شبابيك التذاكر كان أبلغ جواب. وما أقوله وأكرره إنّني لست بحاجة إلى دعاية سلبيّة كالتي هوجم بها الفيلم، ولا إلى بلبلة. ثمّة من يعتبر أنّ ذلك يجذب المشاهدين وهذا خطأ كبير، فهو بالحقيقة مضرّ،لأن اللبنانيّ قرف وملّ من البلبلات.لذلك أنا لا ألجأ إطلاقاً إلى استعمال هذا الأسلوب، ولا أستسيغه،ولا أحتاج إليه، فالفيلم بحدّ ذاته هو الدعاية، والممثّلون جميعهم هم الدعاية.

​​​​​​​أنت متهم بالتطبيع مع إسرائيل رغم أنك في أفلامك تدافع عن الفلسطينيين ، كيف ذلك ؟

عندما كنت في الولايات المتّحدة وكنت أشارك في بعض التجمّعات المناصرة للفلسطينيّين في الثمانينات، كنت أتّهم ككثير من الناس، بمعاداة الساميّة. اتهامي في لبنان بالتطبيع يشبه هذه التهمة،من حيث أنها اتهامات يوجهها البعض إلى كل شخص لا يتناسب مع أفكارهم. هذه أمور اتهامات فارغة لم نعطها أيّ أهميّة.

قضية رقم 23 نصه موضوعي جداً ويجسد حالة الحرب التي عاشها اللبنانيون مع الفلسطينيين. ألم يكن يجدر بكما، جويل توما وأنت، بحكم كونكما لبنانيين، أن تتخذا موقفاً أكثر ميلاً إلى الجانب اللبناني في الفيلم؟

هذا استنتاج غير صحيح إطلاقاً. أعتقد أنّني في الفيلم اتّخذت موقفاً مع اللبنانيّين بشكل بحت. في الواقع، موقفي ابعد بكثير من الميل إلى جنسيّة أو من الوقوف مع هذا الطرف أو ذاك. إنه موقف إنساني، يتعلق بشخصين يتصارعان، قد يكونان لبنانياً وفلسطينياً، أو فنزويلياً وأرجنتينياً، أو من أيّ جنسيّة،ويصلان في نهاية المطاف إلى التصالح مع الذات وإلى العدالة. هذه هي القصّة ولا أوافق بتاتاً على أنّني كنت متحيّزاً إلى الفلسطينيّين.

​​​​​​​كأن هذا الفيلم يخبر قضية أكبر من قضية قسطل ، هل تتحدث عن قضية وطن بأكمله ؟ إذا كنت تقصد وطناً بأكمله، ثمة من أخذ عليك أنك أعطيت الحق للفلسطيني

صحيح أنّ الفيلم قصّة وطن ولكن لو كانت فقط قصة محليّة بحت لما كان عُرض أو فُهم في البندقيّة أو في الولايات المتّحدة وغيرهما من الدول. طبعاً ثمّة بعض التفاصيل التي لا يعرفها المشاهد الأجنبي كشخصيّة سمير جعجع أو بشير الجميّل أو أنّ الفلسطيني لا يستطيع العمل في لبنان، فحتى كثير من العرب يجهل ذلك. ولكني لم أدخل كثيراً في التفاصيل كي يتمكّن المشاهد الأجنبي من فهم الفيلم وهذا ما توصّلنا إليه. فالفيلم هو قصّة شخصين سواء أكانا فلسطينياً ولبنانياً، أو غير ذلك، يواجهان معضلات داخليّة وخارجيّة ويبذلان أقصى جهدهما كي يصلا إلى مبتغاهما الذي يتبلور في نهاية القصّة، أي ما يريده طوني هو ببساطة الاعتذار وما يريده ياسر هو الشعور بأن هناك عدالة، هذه هي القصّة.

​​​​​​​أنا من جيل الحرب والمجازر ، هل برأيك أستطيع أن أسامح بالسهولة التي يحدث بها سمير جعجع حتى الزعماء الذين إفتعلوا حروباً ؟

المسامحة كلمة معقدة وتتطلب تدخل المنظمات الإنسانية والمنظمات التي لا تتبع للدولة والمفكرين والسياسيين ، صعب جداً أن أتفلسف ، لا أريد أن أعطي فكرة أني أتفلسف وأخلق حلاً للبلد ، سآخذها من منطلق أسهل بكثير ، أعتقد ومن خبرتي التي واجهتها منذ أن تركت بيروت في العام 1983 ، حين تركت بيروت الغربية ، وسافرت وعدت في العام 1998 لأصور فيلمي West Beirut ، فبمجرد أني عملت مع أشخاص كنت أعتبرهم في السبعينيات هم في المخيم العدو أي مسيحيي لبنان ، فبمجرد أن عملت وفُتح الحوار أصبح لدي نوع من الإرتياح العام ، إرتحت وقلت إنني صرت أستطيع أن أطوي الصفحة من ناحيتي ، وأستطيع أيضاً أن أراجع حساباتي ، أنا دائماً أتحدث من منطلق شخصي ولا أريد أن أتحدث من منطلق إجتماعي ، صعب مني أن أستطيع أن أنظّر على هذه النظريات الكبيرة والمعقدة ، أعتقد أن أي شخص عقله سليم يقول من الأفضل أن تلحم الجرح من أن تتركه مفتوحاً ، الآن أصبح هناك خبصة ثانية لم أستطع أن أدخل فيها ، فلا أستطيع أن أجيب إلا بطريقة شخصية .

​​​​​​​وماذا عن الزعماء هل يمكننا مسامحتهم ؟

البعض يتعمّد اتّهام طرف واحد في حين أنّ الدماء تقع على عاتق جميع الناس إذ ليس هناك زعيم في لبنان لم تتّسخ يداه بالدم، من دون أيّ استثناء ، فأنا متحيّز للعدالة والحقيقة فقط ومتعصّب لهما.

ما الهدف من مشهد اللقاء برئيس الجمهورية ؟ هل رئيس من دون صلاحيات منذ وقت إتفاق الطائف يستطيع التدخل بشؤون كبيرة ؟

أنا أفهم أن يقال إنّ الرئيس لا يملك صلاحيات، لكنّ الفيلم قصّة روائيّة fiction وليس وثائقيّاً، وفي الدراما، تركّب الأمور وفق مقتضيات القصة الروائية وليس لها بالضرورة صلة بالواقع الفعلي. لقد أدخلت مشهد رئيس الجمهوريّة كي أقول إنّ تطور الأحداث في الفيلم وصل إلى درجة من الخطورة، تستلزم تدخّلأ أعلى المسؤولين في الدولة، واضطر الرئيس للتدخّل من أجل المصالحة.

​​​​​​​ماذا عن تعاملك مع الممثل الفرنسي جيرار دوبارديو ؟

جلّ ما في الأمر أنّنا تحدثنا قبل بضع سنوات في شأن مشروع كنت في طور كتابته ولكنّنا لم نعمل معاً.

في زمن الـ Iflix والـapplication والـDownload ، هل لا يزال للسينما شباك تذاكر ؟

في ثلاثة أسابيع حقّقنا أكثر من 70 ألف مشاهد، وأعتقد أنّ الناس ما زالوا متعطّشين لمشاهدة فيلم في السينما،إذا أعطيناهم عملاً بالمستوى اللائق .