لطالما نادينا بالفن الهادف، دائماً نسأل الفنانين عن موعد الأغنية التي تحمل "قضية"، ما برحنا ننتظر فناً يحمل في طيّاتهِ معنى إجتماعيا و إنسانيا. ولكي لا نفتح الباب لـ"فلسفات" بعض الصحافيين الجهابذة بالتحليل و التفحيص و التحميص، نحن لا نقصد هنا الرسالة الوطنية و الجيش ونظريات أفلاطون في الإنتماء والسماء و الأرض، فقد سبق لكثيرين من الكبار والصغار أن غنّوا الوطن من ملوكه إلى مواطنيه العابرين بين الكلمات العابرة.

ما نقصده هنا هو كما يحصل في كل البلدان المتطوّرة فكراً وحضارةً ، فالحضارة ليست بإبريق الماء وحنين العريشة والكبة النيّة، الحضارة هي تقدّمٍ فكريّ يعايشه الأنسان بعقله المنفتح وطموحه العملي. في الدول الفكريّة كأميركا معظم أغاني هذه الأيام هي للإنسان، فقد سئموا أغاني الحب و الحنان، الجرح والغرام والهيام، شبعوا من أغاني الندب على ماضٍ متعب ، حاضرٍ غادر و مستقبلٍ ملتبس.

أما نحن فلا نزال نغني لهذه المواضيع، تركه أو تركته، عشقها و صاحبتهُ، طلّقها فصاحبت عليه، نُشبّه أنفسنا بالتنبك و نطلب منها حرقنا بالأرجيلة، نُذبِلُ عيوننا و نلحّن أشعار نزار قبّاني توفيراً لمجهود الإستماع لكلماتٍ جديدة. ليس بيننا من يغنّي عن حقوق المرأة ك "رايشل بلاتين"، عن الطفل الذي يعاني من مشاكل الوالدين كما فعل "Eminem" و "pink"، ليس بيننا من يتجرأ على الغناء عن حالة مراهقٍ يتعاطى الممنوعات ك"جيل هيرون" و "لايد باك" والكثير غيرهم، لماذا لا يغنّي فنانو العرب عن حالات الإغتصاب و التحرّش كما فعل كل من "نيرفانا" "بيرل جام" توري أموس" و اللائحة تطول. أين الأغاني التي تمنع الناس من رمي النفايات على الطرقات؟ أو إفهام المرأة بأنها ليست حرفا ساقطا في المجتمع؟ أين الاغاني التي تتحدث عن الحياة كحياة بعيدة عن الشريك و الحبيب و تاج الرأس و الهوس بالزواج؟ أين الأغاني التي تكافح الايدز، والفقر والظلم ؟! كلها موضوعات منوطة فقط بالغرب الذي يليق به الفن. تعبنا من وصف جسد المرأة وضروراته الجنسية، سئمنا من الرغبة بإظهار الرجولة وتبيان حجم عضونا الذكري في التلميح وحتى التحديد.

في هذا السياق، لفتنا عملٌ ملفت للفنانةأصالة، خطوة متواضعة غير كافية وبحاجة إلى تحفيزٍ أكثر بين الفنانين لتصبح قاعدة و ليست إستثناء. أغنية "حيقولك"، التي صدرت مؤخراً و أحدثت صدمة إيجابية يمكن قياسها عبروسائل التواصل الإجتماعي، في هذه الأغنيّة تحذّر اصالة المرأة من عدم الإنخداع بكلام الرجل المعسول، بأن لا تتخدّر بوعوده وخطاباته عن الحب وحياة العسل الموعودة، لأنه في معظم الحالات سوف ينتهي بها الأمر بخيبةٍ كبيرةٍ و ستجد الجحيم بدل الجنّة المكتوبة على وعد الزواج. فكرةٌ جديدة، تمكنت الأغنية من إيصالها للناس بشكلٍ أسرع، لن ندخل في شروحاتٍ عن أهميّة الأغنية من ناحية اللحن و الأداء، فأصالة ليست بحاجة لتفنيدٍ أو تحليل، هي فنانة بحجم تاريخٍ فنّيٍ كبير وإنتماءٍ حرٍّ للفن الأصيل. لكن ما نطرحه هنا هو أهميّة أن يبدأ الآخرون بطرح أغانٍ تحمل معانٍ ورسائل إجتماعيّة بعيدة عن الحب و الوطن و الأرجيلة. ربما نشهد ولو لمرةٍ في حياتنا، على بداية وعي في زمن اللاوعي.