في الزمن الأكثر رداءة في الإعلام، في زمن كثرة أشباه الإعلاميين، ووفرة أميّي الصحافة، في زمن النجوميّة المفبركة على قياس الكثيرين، لم يتبق للإعلام العربي سوى ندب على ماضٍ وإنكسار للمستقبل. ما نشاهدهُ في أيام القحط هذه ليس إلا نقيقاً على التلفزيونات، وإدعاءً بالمعرفة وفرض الذات في الشأن العام.

إلا أن أطلّت علينا دُميةٌ هي أكثر حقيقة من كثيرٍ ممن يحملون صفة البشر بين الإعلامين. دميةٌ محشوةٌ بالقطن وبكمياتٍ كبيرة من الدهاء والذكاء الإجتماعي. هي "ال​أبلة فاهيتا​"، إعلاميةٌ عن حقٍّ وجدارة، إعلاميةٌ أقعدت الكثير من إعلاميي العصر في منازلهم، بعد الحصول على أعلى نسبة مشاهدةٍ على صعيد الدول العربيّة.

ذكية هي قناة الـ CBC، عوّضت عن باسم يوسف القابل للإبعاد أو التكبيل أو السجن، بدميةٍ تُغفرُ لها حريتها، و يحقُ لها لا يحقُ لأصحاب الجرأة من نوع البشر. بإختصار إنها المرأة الأرملة، التي لا تخفي شخصيتها العاشقة للجنس وللرجال، تنتمي إلى نوع "قليلي الأدب" في التفكير والكلام، وتشاركها في قلّة أدبها إبنتها "كارو". هذه هي الشخصية التي تلعبها وتخفي من تحتها ذكاءً يفوق حكاّم العرب ومدعي السياسة والدبلوماسية. الأبلة فاهيتا، جاءت شهرتها نتيجة لعدّة عوامل، أولاً غياب باسم يوسف من على الساحة الإعلامية النقديّة، ثانياً الدعم المادي الكبير للـ CBC والذي يظهر جلياً في تكلفة تنفيذ البرنامج من ديكور، مسرح، مستوى الضيوف، وفريق العمل الداخلي والخارجي. أما العنصر الأهم لنجاحها، فهو الذكاء الحاد في الكلام والإيحاء والتلميح، والذي تخفيه "الأبلة" بالنكت والإيحاءات الجنسيّة، فتكون بذلك قد سبقت باسم يوسف بأشواط، لأنها تُعطي الناس بخاصة الرقابة الإلتهاء بالمعاني الجنسية وغيرها لتمرر رسائل سياسيّة وإجتماعيّة خطيرة.

"أبلة فاهيتا" أصبحت إعلاميّة صفّ أوّل من دون أن تحتاج لتصنيفٍ إعلاميٍ مرتشٍ من هنا أو منتجٍ عشيق من هناك. فهي دميّة ونقطة على السطر. هكذا يحصل من يحركها إلى كل مبتغاه من دون تقديم أيّ تنازلٍ أو أثمان. سرعة بديهة، ثقافة، حسٌ فكاهيٌ بنسبة عالية، صفاتٌ تتمتع بها الأبلة هذا بالإضافة إلى إضطلاعٍ واسعٍ على كل مجريات وأحداث الساحتين المصريّة والعربيّة. نزلت إلى الشارع، زارت السوبرماركت و تبضّعت في زمن الغلاء، سافرت إلى دبي وحاورت الجالية المصريّة هناك، غنّت و رقصت على المسرح، إستقبلت أهمّ الفنانين العرب من كلّ المجالات، حتى ممن يشترط و"يربّح جميلة" في أيّة مقابلةٍ أخرى، ف "مايا دياب" على سبيل المثال تقبّلت سخريات الأبلة في المقابلة وهي المعروفة بطباعها الحدّة والصعبة، إعتذرت من الأبلة أكثر من ست مرات بسبب تعليقها على صورتها عبر الإنستغرام، حتى وصلت بها الحالة إلى طلب رضائها والركوع لتقبيلها، لا مانع لدى مايا ف "الأبلة" هي مجرّد دمية "مهضومة"، وهذا أهمّ عنصر ذكاء وراء من يحركها، فهو يستغل كونها دمية لكي يأخذ راحته بالنقد والسخرية، "عيب أن تزعل من الدمية". نقطة لصالح الأبلة، كما لصالح الحريّة التي كانت قد إختنقت مؤخراً من عقد الفنانين بخاصة عقد الفوقية .

لكن اللافت الأكبر لدى الأبلة، هو حبها للبنان. فهي دائماً تُصرّح عن المصممين الذين يلبسونها ك"​شربل زوي​" و "​كريكور جابوتيان​"، كما أنها وعند إستقبالها لايّ فنانٍ لبناني، تعلّق على تصريحاتٍ عفوية لهم بردودٍ أكثر عفوية لها مُستخدمةً كلماتٍ وعبارات تدلّ على أنها من عشاق لبنان وبأنها تزوره دوماً، ومن أهمّ الكلمات التي إستخدمتها "الكبة النيّة"، "شجرة الأرز"، "تقبرني" "يخليّلي قلبك" ،"تبولة" "شو مهضوم" والكثير من التعابير الأخرى.

لا أحد يعرف من هي الشخصيّة الحقيقيّة للأبلة فاهيتا، لكن عبر تحليل نبرة صوتها، كلامها المبطّن وطريقة حوارها إكتشفت الآتي:

أولاً، إن نبرة الصوت هي لذكر وليس لأنثى، وفي أداء الصوت مهنيّةٌ عالية تخرج منها بعض العفويات التي تكشف الذكورية.

ثانياً، إن الشخص الذي يحرّك الابلة يمتلك حسّاً نسائياً كبيراً، لأنه يعرف كيف تتصرف المرأة في حالات الإعجاب بالرجل، وكيف تترجم غرائزها بحركة الجسد والكلام. كما أنه مضطلع جداً من ناحية الموضى والماكياج.

ثالثاً، إن محرّك الأبلة مثقّف جداً، لأنه يعرف جيداً كيف "يلطش" و يمرر الرسائل بخاصة في الحوارات العفوية والتي لا يغطيها الإعداد. كما أنه يتقن الفرنسيّة بنسبةٍ مقبولة.

رابعاً و الأهمّ، إن من يحرّك الأبلة يعتمد على كونها دمية ليقول ما لا يمكن للإنسان العادي قوله، وهنا مكمن القوة.

الأبلة فاهيتا، أملٌ للحريّة، لا نستغرب حبّها للبنان، فهي من روح كيانه، كيانٌ كنقطة الزّيت في كوب الماء الشرق الأوسطي، تطفو على السطح و تتمييّز. الأبلة فاهيتا لبنانيّةٌ بنسبة الحرية والكلمة الجريئة، الأبلة فاهيتا نجمة الإعلام، هي حقيقة وإعلاميو هذا العصر مجرد: دمى.