إنّه الممثل السوري ميلاد يوسف، الذي عرفت مسيرته الفنيّة محطات صعبة، انطلقت مع أولى أدواره في مسلسل "عودة غوار" عام 1999 الى جانب الفنان دريد لحام. قدّم ما يقارب التسعين عملا أهمها "باب الحارة"، و"الفصول الأربعة"، و"عصر الجنون"، و"أهل المدينة"، و"جلسات نسائية"، وأبناء القهر"، و"رياح الخماسين"، و"خاتون"، و"صرخة روح".

الممثل السوري ميلاد يوسف، الذي ولد في مدينة حمص وسط سورية ودرس وتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل عام 1997، حل ضيفاً على "الفن" من خلال الحوار التالي:

تطل في الجزء التاسع على التوالي في مسلسل "باب الحارة"، ألا تعتقد أن الجمهور أشبِع من هذا العمل؟

يبدو أن معادلة "باب الحارة" صعبة ومفروضة علينا، ولا يختلف اثنان على أن العمل إشكالي، فهو مزيج ما بين النقد والمديح، وعلى الصعيد الشخصي، أرى أننا لغاية اليوم قادرين على إنجاز أجزاء جديدة متفاوتة الحضور والمشاهدة والفشل والنجاح.

لديّ خياران، إما أن أتخلى عن المشروع وشخصية "عصام" وأقبل بإحالتها لممثل آخر، أو أن أستمر بالعمل، وأنا دائماً أختار الدفاع عن الشخصية والمشروع لآخر نَفَس علّ وعسى أن يشهد تطوراً.

عموماً، لديّ نوع من الاحترام وأشعر بالغيرة تجاه الشخصيات التي ألعبها، بالطبع نتعرض لضغوطات نفسية وتعب جسدي إذ إن العمل يعتبر طويلاً لكن يبقى له جمهوره.

تباينت مستويات الأجزاء الماضية من العمل وكان لديك بعض الملاحظات تجاه الجزء الثامن. ما هي؟

كان الوقت قاتلاً بالنسبة لنا إذ إن شركة الإنتاج قررت تنفيذ العمل قبل بداية شهر رمضان بفترة قصيرة، والنصّ كان بحاجة لبعض التعديلات، عموماً كان هناك بعض الاستسهال الفني من قبل القائمين عليه، الأمر الذي انعكس سلباً على العمل ككلّ.

وماذا عن الجزء التاسع؟

يفترض بنا دائماً أن نتفاءل ونتأمّل الخير بالعمل، والجزء التاسع يتضمن لمسات مختلفة على صعيد الموضوع والقصة والحكاية وكذلك مسار بيت "عصام" وعائلته.

يتضمن الجزء بعض الأحداث الخاصة والبسيطة. هناك أجواءً عامة ستنحو نحوه الشخصية، وعلى سبيل المثال، سيعمل "عصام" بمهنة جديدة بعيدة عن العطارة والحلاقة مرتبطة بالسينما التي دخلت الموسم الماضي إلى حياته.

هناك محاولات لمقاربة تلك الفترة وملامسة الأمور التي كانت تحصل حينها من خلال شخصية "عصام" خصوصاً أن المجتمع السوري خلال فترة الاحتلال الفرنسي وبعد الاحتلال العثماني شهد دخول عناصر جديدة على البشرية من تنموية، ثقافية وصولاً الى الفكرية.

برأيي الشخصي، الحكم على "باب الحارة" لا يصيب قبل أو خلال التصوير وإنما لحظة العرض.

يقال إن الممثلين مستمرون بالعمل طيلة أجزاء باب الحارة غايتهم تجارية؟ فما رأيك؟

حقيقة إنّ ظرف إنتاج "باب الحارة" يعتبر جيداً بالوقت الذي نبحث فيه عن الظروف المتوسطة، لكنه ليس بخارق كما يعتقد البعض.

من ناحية ثانية، بقي مسلسل "باب الحارة" محافظاً على وجوده ضمن هذه الظروف الصعبة والحرب التي نعيشها، وهذا يعتبر أمراً إيجابياً، لذا يبدو وأنه فرصة جديدة ونافذة للممثل. وبرأيي إنه السبب الأساسي لاستمرارية تعلق الناس بالدراما السورية، وبالطبع هذا لا ينقص من أهمية العديد من الأعمال الجيدة التي عرضت أو يتمّ تصويرها، لكن يبقى "باب الحارة" هو النافذة الواسعة نتيجة تاريخه الطويل ونحن بحاجة لنوافذ ولا نريد أن نغلق نوافذ على أنفسنا بل علينا أن نثبت أنفسنا أكثر.

بالطبع، لا أتكلم عن نفسي فقط، وإنما عن مجموعة ممثلين قدموا أنفسهم ضمن العمل. "باب الحارة" ضم عدداً هائلاً من الممثلين بأجيال مختلفة عبر أجزائه، بعضهم استمروا وبعضهم لا، نتيجة لظروف مختلفة فالمسلسل له تاريخ ويحمل ذاكرة.

بالنتيجة أود القول "لا تحمّلوا هذا المسلسل فوق استطاعته" فهو عمل شاميّ بسيط يروي حكاية افتراضية، أحياناً يتضمن ملامسة للواقع وأحياناً مبالغة، برأيي هو حالة فنية أكثر من أنه شيء مكرس علينا دائماً أن نحسب أبعاده.

زوجاتك تبدلت عبر الأجزاء، كيف تعاملت مع هذه الحالة؟

ضاحكاً: "والله أحياناً بضحك بيني وبين حالي" حتى على مستوى أولادي أتفاجئ "بناتي ما شاء لله كبرانين".

أتعامل معها ببساطة كبيرة وأعتبر نفسي كالوصي أو الأب على منزل "عصام"، ومع دخول أي ممثلة جديدة نحاول "ندخلا بالجو"، عموماً مفاتيح منزل "عصام" بسيطة جداً.

كنت أفضل لو حافظت الشخصيات على الممثلين ذاتهم، طبعا أكنّ مشاعر الاحترام لجميع الممثلين المشاركين فلهم مساحة كبيرة من ذاكرتي وعشنا تفاصيل جميلة جداً لكن أحياناً هناك بعض الظروف التي تفرض نفسها، وعلينا التعامل معها بإيجابية.

هل تتقبل أن يؤدي شخصية عصام ممثل آخر؟ وما مقدار غيرتك عليه؟

أشعر بغيرة حقيقة تجاهها، ومن حقّ أي ممثل أن يغار، وأحياناً أسأل نفسي ما سرّ هذه الشخصية، وما المشكلة من إسنادها لممثل آخر؟ لأعود وأفكر من جديد بأن هذه الشخصية أصبحت من لحم ودم وجزء من ذاكرة الجمهور وسأدافع عنها للحظة الأخيرة.

من جهة أخرى شخصية "عصام" تستهلك مني الكثير، فأنا أحاول دائماً تطويرها رغم أنها أصبحت سهلة نوعاً ما بالنسبة لي كون مفاتيحها الأساسية موجودة لكني أسعى دائماً لخلق حالة جديدة أو ظرف جديد، وهذه التفاصيل أفكر فيها ملياً والأمر متعب حقاً.

برأيك هل الشخصية أقرب للجمهور من الممثل؟

سأخبرك عن السبب.. الجمهور ينادي الممثل باسم إحدى شخصياته لأنها الأقرب له من كيانك وشخصك ويحاولون التقرب منك عبرها، وهذا لا يقلل من شأن الممثل، بل على العكس يدل على تعلقهم بك ومدى ترسيخ الشخصية بذاكرتهم.

هل تفكر في المشاركة بعمل شامي آخر إلى جانب باب "الحارة" كما العام الماضي؟

كنت حريصاً خلال السنوات الماضية على هذه المعادلة، لكن ما حصل العام السابق أني بدأت تصوير "خاتون" بعد أن اتخذنا قرار عدم تنفيذ الجزء الثامن من "باب الحارة"، حينها وأثناء تصوير مشاهدي، عاودت الشركة الحديث عن "باب الحارة" وعشت حينها نوعاً من الصراع، لكن "لحسن حظي" وما ساعدني وشجعني أن الشخصيتين مختلفتين كثيراً بالشكل والحالة والحدث.

لكن أكرر ما أقوله دائماً وهو عدم تفضيلي المشاركة في عملين بيئة شامية بالموسم ذاته. ومؤخراً، نشاهد التكرار ليس فقط في الأعمال الشامية وأيضاً بتلك الحديثة، فهناك العديد من الممثلين ينتهجون التكرار لدرجة كبيرة ولم نعد قادرين على التمييز، وهذا التصرف أبرّره لممثل جديد أو ناشئ أراد أن يحقق نسبة عالية من الظهور والانتشار ومن حقه العمل في أماكن متعددة، لكني لا أبرّره لممثل له ذاكرة وأرشيف لدى الجمهور.

ستطل في هذا الموسم في عملين اجتماعيين، الأول "شبابيك" والآخر "الهوى غلاب". أخبرنا عن التفاصيل.

أحياناً أحبّ أن أختار الأعمال التي يستطيع الممثل عبرها أداء عدة شخصيات كما أنها "تشحنني من جديد" وفي الوقت نفسه تعتبر شبيهة بالأعمال السينمائية "كوننا محرومين من السينما".

برأيي، نستطيع أن نعتبر حلقة من "شبابيك" بمثابة فيلم سينمائي من ناحية التكنيك (الكاميرا والإضاءة) وكلّ التفاصيل ولا ينقصه إلا العرض على الشاشة الكبيرة.

تعاون جديد يجمعك مع ديمة قندلفت في حلقة "شبابيك"، ماذا عن التناغم بينكما؟

ديمة من الصديقات الودودات، منذ بداية مسيرتها الفنية عملنا معاً في عدة أعمال كمسلسل "أبيض أبيض" مع الفنان المرحوم نضال سيجري، وكنا نشكل فريقاً مميزاً، أما الآن فالتقينا في "شبابيك"، وأعتبر أن ما يجمعنا دائماً هو الاحترام والود والمحبة.

آخر أعمالك الاجتماعية كانت "في ظروف غامضة"، ما سبب ابتعادك مؤخراً عن الأعمال الحديثة (Moderne)؟

لم أبتعد عن الأعمال الحديثة لأسباب معينة بل شاءت الظروف ذلك، حقيقة هو نوع من العرض والطلب والاختيار. وسأعود إلى الماضي عندما كانت الأعمال التاريخية تسيطر على الموسم كحال الشامي اليوم، فغالبية الممثلين حينها يشاركون في الأعمال التاريخية أي أن الظروف هي التي تقودك.

فمثلاً الموسم الماضية عملت جزأي "خاتون" بالإضافة للجزء التاسع من "باب الحارة" وشاركت في "مدرسة الحب"، فأحياناً الوقت والعرض هو ما يحكمك ولا يوجد قاعدة ثابتة.

أرشيفك فقير بالأعمال التاريخية. ما السبب؟

لدي مشاركة واحدة في مسلسل "الزير سالم" وكان الإنتاج وقتها بين سنة 2000 و2007 متّجه نحو الأعمال التاريخية، فأغلب الأعمال كانت كذلك، وحينها اتجهت نحو الحديثة انطلاقاً من شعوري بأن الأعمال التاريخية ستبعدني عن الجمهور.

هل اللغة الفصحى المعتمدة بالأعمال التاريخية كانت السبب؟

ليست السبب الوحيد، لكن الدراما حينها كانت بأوجها وفضّلت الذهاب باتجاه الأعمال الحديثة أكثر من التاريخية كي أثبت نفسي كميلاد يوسف (اسم وشكل)، ورأيت بأنّ ذلك يتحقق عبر العمل الحديث أكثر من التاريخي، ثم ظهرت بعدها في الأعمال الشامية والتي برأيي حلت مكان التاريخية، وحتى الشركات توقفت عن إنتاج التاريخي، وخلال فترة من الزمن "ما ضل شركة ما عملت عمل بيئة شامية"، فهي نوع يطلبه الجمهور و"بيصير عليه ضوء"، ومن الممكن أن تظهر خلال لحظات بعض الأشكال الجديدة من الأعمال التي تلفت أنظار الجمهور فيطلبها بكثافة ما يشجع الشركات على إنتاجها، وبعدها تتقدم العروض للممثل لأداء شخصيات العمل.

واجهت خلاف مع المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني على مسلسل "لست جارية" بسبب الأجر الضئيل؟

أي خلاف يتعرض له الممثل خلال مسيرته الفنية مع أي جهة يفترض أن يتجاوزه وبدون زرع أحقاد، وخلافي مع المؤسسة كان بسيطاً، بالنتيجة شئنا أم أبينا فمؤسسة الإنتاج تبقى من الأركان الرئيسية في الإنتاج التلفزيوني، وباستطاعتنا أن نوجّه الانتقادات والملاحظات وأن نبدي رأينا تجاهها ومن الممكن أن نختلف في وجهات النظر لكن يبقى التعامل فنيّ بيننا.

وبعد تجربتي في الحياة وخلال مسيرتي الفنية، أرى أنه علينا الابتعاد عن الخصام والعداوة والكيد في الوسط الفني والتعامل برقي.

بعد الخلاف، قدمت لي المؤسسة عروضاً عدة لكنها لم تكتمل، وفي حال تواجد أيّ عرض مناسب بشروط وظروف جيدة بالطبع لن أتردد في المشاركة.

السينما السورية تشهد مؤخراً نهضة، وهناك ما يقارب أربعة أفلام كل عام، أين ميلاد يوسف في السينما؟

لا شكّ أنني سعيد بهذه النهضة، المشكلة ليست بميلاد تحديداً و90 بالمئة من الممثلين لا نراهم في السينما السورية، فهي محصورة فقط بـ 5 الى 10 بالمئة فقط من الممثلين، وأرى أن العلاقات الشخصية تلعب دوراً كبيراً بموضوع المشاركات السينمائية أكثر من الشرط الفني أو النجم أو البطل، والأمر لا ينطبق فقط على الممثلين بل على المخرجين الذين يقدمون مئات الساعات الدرامية وبظروف صعبة جداً، فهي بمستوى العمل السينمائي من جهة التقنيات والكوادر وطريقة العمل.

برأيي ما يميز الدراما السورية أنها تنفذ بكاميرا واحدة تماماً كالسينما وأصبحنا بمستويات عالية جداً على صعيد الكاميرات المستخدمة والاضاءة، فأصبحنا نصنع سينما حتى لو كنا ننفذ مشهداً تلفزيونياً والسؤال "لماذا لا يحتوي أرشيف أغلب المخرجين السوريين (50 أو 60 بالمئة منهم) على أعمال سينمائية؟

في الحقيقة، كنت قد قدمت مسبقاً اقتراح مفاده أن تنفذ كل شركة إنتاج عملين تلفزيونيين أو ثلاثة في الموسم إلى جانب عمل سينمائي.

وبهذه الوضع تكون حالة القبول أسهل ومن الطبيعي أن يقدم الجميع تنازلات، وعلى الصعيد الشخصي لو عرض عليّ تصوير فيلم سينمائي لمدة شهر مثلاً بمكان وزمان معين سأقبل بشروط أسهل من العمل التلفزيوني انطلاقاً من أهمية احتواء أرشيفي الفني على أعمال سينمائية.

وهل تقبلت شركات الإنتاج هذا العرض؟

سمعت أن بعض الشركات بدأت تفكر جدياً بالموضوع وأرى أن هذا الأمر مشجع لغيرها، فعندما تبدأ أحدها بالتنفيذ الفعلي ستندفع كافة الشركات كذلك الأمر بالنسبة للمخرجين والمنتجين والممثلين.

"مافي حل تاني" إذا بقي اعتمادنا الوحيد على المؤسسة العامة للسينما فلن نتمكن من القيام بحركة سينمائية.

فحال السينما مشابه للدراما التي أسستها بداية المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني وبعدها بدأت الشركات الخاصة بالإنتاج ما زاد من الانتشار والخيارات أصبحت أوسع. إذاً نحن في هذه المرحلة بحاجة للإنتاج السينمائي الخاصّ ما يولد مبدأ المنافسة بين الشركات الأمر الذي يرفع من سوية النوعية والشكل واستقطاب الممثلين أو المخرجين.

أنت من الممثلين النشيطين على مواقع التواصل الاجتماعي وتشارك جمهورك بتحركاتك الفنية والشخصية... كيف تتعامل مع ردود الأفعال السلبية؟

أتقبّل النقد الإيجابي أما النقد المؤذي أفضل تجاهله. العالم الافتراضي سمح للكثيرين بإبداء آرائهم من حيث لا تدري وبالشكل الذي يريدونه، وأعطاهم حرية باقتحام حياة الآخرين.

رغم نشاطك على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن عائلتك بعيدة عنها؟

الأمر ليس مقصوداً وإنما من باب الصدفة، وبالوقت ذاته أشعر أن الخصوصية ضرورية جداً، وعائلتي لا تفضّل الظهور، وإذا قررت إقحامها بهذا العالم سأؤثر على حياتهم وعلاقاتهم مع أصدقائهم، وأفضل أن ينشئوا نشأة بسيطة بعيدة عن الأضواء.

لا نرى زوجتك معك في المناسبات الاجتماعية؟

صدفة.

هل يحب أحد أولادك الدخول في المجال الفني؟

لم أشعر بذلك، ولداي (ماركوس وفيديل) يتعاملان معي كشخص عادي وبكل بساطة وليس كممثل وصدفة ما يشاهدون أعمالي، لا يمتلكون هاجس "أبي ممثل".

سمعت بأن أحدهما يحبّ الموسيقى؟

ماركوس بفترة من الفترات كان يحب العزف على البيانو وفيديل يحب الإيقاع. لا أحب إجبارهما أو الضغط عليهما "هنن شو حابين وعلى راحتون". هواية ماركوس التصوير الفوتوغرافي وأعمل على تنمية هذه الموهبة.

مؤخراً ابتعدت عن الصحافة، ما السبب؟

علينا أن نختار الوقت المناسب لإجراء اللقاءات الصحافية، "الوقت يلي لازم نكون فيه صح مع الصحافة"، وليس فقط لمجرد الظهور.

برأيك متى يكون "الوقت الصح"؟

أثناء تصوير عمل جديد.