وليم حسواني أو الشاويش، يجمع في شخصه المعلّم والمغنّي والممثّل والشاعر أي أنه الإنسان الفنّان، الإنسان المبدع والطموح، الإنسان المجتهد وصاحب الضمير، الإنسان الشاعر والمرهف والإيجابي والمتفائل. هذا الفنان الذي اشتهر من خلال عمله في المسرح الرحباني إلى جانب عمالقة الفنّ الأخوين رحباني وفيروز ونصري شمس الدين ووديع الصافي وفيلمون وهبي وجورجيت صايغ وغيرهم، استطاع أن يرسم لشخصه صورة لا تمحى بسهولة من أذهان اللبنانيين، صورة الشاويش والشيخ فرنسيس الخازن وغيرهما من الأدوار التي أداها بإحتراف ومهنيّة عالية. بصمته في المسرح الرحباني واللبناني بصمة إبداع وحرفيّة. لم يمنعه الفن من ممارسة المهنة الأحب إلى قلبه وهي التدريس حتى أنه لم يشارك في بعض الأعمال الفنية ليكون إلى جانب تلاميذه ليعلّمهم ويحرص على نجاحهم.

وكان لنا هذا الحديث مع حسواني "الشاويش" حارس الشّعر والفنّ الأصيل على مشارف التسعين.

ما الذي أخذ وليم حسواني من التدريس إلى التمثيل فالشّعر؟ وهل كان التدريس مهنة فقط؟

التدريس هو المهنة التي امتهنتها خلال عمري ككل إنسان المفروض أن يعمل كي يؤدي خدمة للمجتع وثانياً كي يعيش بكرامته مادياً. وقد مارست التعليم لمدة 57 سنة وكنت خلالها أعلّم بمدارس الأخوة لمدة 20 عاماً ثمّ افتتحت مدرستين إلا أنني أقفلت مدرسة. وطلب مني أن أدرّس الأدب العربي والفلسفة في المعهد الأنطوني لمدّة 7 سنوات وتنحيّت بعد أن شعرت بأنني تعبت. أما الفنّ فهو دافع إنساني يرافق الإنسان منذ وجوده إلى نهاية عمره وهذا طابع في الإنسان يخلق مع الإنسان. في البداية يكون الفن هواية وبعد ذلك تتطوّر إلى أن تصبح طابعاً من طوابع حياته وصورة من صورة وجوده في المجتمع الإنساني.

تقدّمت إلى فرقة المسرح الرحباني كراقص إلاّ أنكّ أصبحت "شاويش" هذا المسرح. كيف حصل هذا ولم تبقَ راقصاً؟

كنا نتدرّب على رقصة لعمل للأخوين الرحباني لمهرجانات بعلبكّ، عندما طلبني عاصي الرحباني وقال لي إنهم أخبروه أني أمثّل وأغنّي أيضاً وطلب أن يسمع صوتي ، وهكذا حدث فإختارني لأكون مغنياً وممثلاً في المسرح ، وبقيت معهما أغني وأمثل لمدة 40 سنة.

كيف تصف العمل مع الأخوين الرحباني؟

العمل مع الأخوين الرحباني ليس عملاً فقط بل إنهما مدرسة في عالم الفنّ والموسيقى وفي عالم الشّعر. وهذه المدرسة التي كانت فريدة من نوعها استطاعت أن تجمع في شخصين ثلاثة أمور مهمّة. فكي تقوم بمسرحية غنائيّة يجب أن تمتلك الشّعر واللّحن والإخراج المسرحي وهي عناصر ضرورية اجتمعت في الأخوين رحباني وهذا ما جعل منهما عبقريين ونادرين في عالم الفنّ.

لقد حصرت في دور الشاويش في المسرحيات الرحبانية.

لم أنحصر في دور واحد وقد أدّيت عدة أدوار لكن دور الشاويش طغى أكثر من غيره وعرفت به. وراح الناس ينادونني بالشاويش وليس باسمي.

هل المسرح الرحباني حصرك في المسرح الغنائي بدل أن تكون ممثلاً ومغنياً خارج هذا المسرح؟

المسرح الرحباني لا يحصر أحداً لكن الشخص هو الذي يحصر نفسه في هذا المسرح لأنه يختار الأفضل وهذا ما حدث معي. لأن هذا المسرح تعلّمت منه التّهذيب المسرحي فلم نسمع في مسرحها أية كلمة نابية كان هناك رفعة بالأخلاق مع عبقرية الأفكار التي كانت تقود الكلمة.

بعد وفاة عاصي تابع المسيرة منصور الرحباني وقد شاركت في صيف 840 وآخر أيام سقراط وغيرهما من المسرحيات. ما الذي إختلف بالتعامل وبالمسرح؟

لم يختلف المسرح مع منصور ، فقد بقي المستوى عينه ، بل على العكس أصبح أفضل. فقد كنا مع عاصي نمثّل المسرحية في البيكاديلي لمدّة شهرين بينما مع منصور صرنا نعرض المسرحية لمدة سنة ونسافر فيها حول العالم. يبقى الإختلاف في الناس ومدى تشجيعهم للمسرح.

فضّلت أحياناً التدريس على الفنّ خصوصاً أنك لم تشارك في أفلام الأخوين الرحباني. لماذا؟

لم أفضّل التدريس ، بل كان التدريس واجباً عليّ ، فقد كنت مسؤولاً عن طلاب لديهم إمتحانات رسمية ، ولو كنت صاحب ضمير لا تترك مستقبل هؤلاء الطلاب لتعمل في الفن ، وهذا ما جعلني أتغيّب عن بعض الأعمال.

شاركت في أعمال الأب فادي تابت. أخبرنا عن تجربتك معه ومع مسرحه.

مسرح الأب فادي تابت لا يختلف عن مسرح الرحابنة. ما يختلف هو الفكرة لكن مسرحياً مسرحيته تمثيليّة غنائيّة راقصة حتى. فيها كل العناصر التي كانت موجودة في المسرح الرحباني لكن تختلف الفكرة والسيناريو. وهذا الإختلاف طبيعي ، لكن الاب فادي تابت إنسان شجاع لأنه مزج رسالته الدينية مع الرسالة الفنية وأطلق الرسالة الدينية من خلال العمل الفني لكي تكون منتشرة أكثر ، وأنا أحييه وأقدم له كل الإحترام لشخصه ولعبقريته.

بعيداً عن الفنّ والتدريس، أنت شاعر وقد بدأت كتابة الشّعر في عمر مبكّر. أخبرنا عن الشّعر وما هي المواضيع التي تتناولها في شعرك؟

هناك دافع في داخلي كي أكتب الشّعر ولأني عشت في إطار عائلي يحترم الشعر ويكتبه. فوالدي كان شعراً وشقيقي الأكبر شاعر. وفي جلساتنا العائلية كنت أستمع إلى الشعر وكنا ننظم الشعر الفصيح والعامي ، والشعر من تكويننا ومن تراث حياتنا. وعندما كنت في إطار التعليم كنت منشغلاً بالفنّ والتدريس فكانت كتاباتي قليلة خصوصاً أنني بدأت كتابة الشعر في سنّ الـ 14 عاماً وكتبت بالفصحى والعامية. وعندما إنتهيت من التعليم إنصرفت كلياً إلى الشّعر وأسّست الصالون الأدبي الشعري لوليم حسواني.

نلاحظ اليوم إنتشار العديد من الصالونات الأدبية والمنتديات الشعرية. هل هذا دليل صحّة أم أنه خوف على الشّعر؟

هذا دليل صحّة وليس خوفاً. ما نقوم به هو لأننا نحبّ الشعر ونعيش منه وفيه. واليوم أنا أفضّل أن أحضر ندوة أدبية على أن أشاهد فيلم سينما لأغذي ثقافتي ومعرفتي.

يؤخذ على المنتديات والصالونات الأدبية أنها تقدّم الشعر الجيد والشعر السيّئ.

هناك نظرة خاطئة حول هذا الموضوع. فنحن أصحاب الصالونات كي نحتكر الشعر بل لنزرع الشعر في غيرنا ومن يحب الشعر مثلنا. ومن لا يستطيع أن يبلغ المراتب العليا في الشعر نحن نساعده.

هذه المنتديات والصالونات الأدبية هي مبادرات فرديّة. أين دور الدولة في دعمها؟

ليس للدولة أي دور. حتى وزارة الثقافة لم تتعرف علينا مرّة. وزير الثقافة صديقنا لكنه لم يدعم المنتديات لا مادياً ولا معنوياً ، ولا أعرف السبب.

كانت الجامعة اللبنانية قد أصدرت كتاباً عن الزجل لكنه تعرّض لإنتقادات كثيرة ، ما رأيك به؟

جلّ من لا يخطئ. أما العمل فجيّد من حيث أنه عرّف الناس على الأدب العامي اللبناني خصوصاً الطلاب منهم. وهذا أمر عظيم. كل عمل يقع بالأخطاء ، ولكن هذه الأخطاء نسامحهم عليها لمجرّد أنهم أصدروا الكتاب الذي يتعلّم به الطلاب.

هل نعيش اليوم في شريعة الغاب؟

المضحك أننا في لبنان كلما اجتمع اثنان يجتمعان على شتم الدّولة والمجتمع. "بيفشوا خلقن بالدولة". لكن هذا وضعنا ، ومهما كان وضعنا سيئاً هل نترك وطننا ونهاجر أم نبقى فيه لنساعده على التقدّم والتطوّر ؟ وهناك مؤشرات إيجابية لإنتخاب رئيس للجمهورية. وعندما تشتم الدولة وتضحك عليها تشتم نفسك وتضحك على نفسك. لكننا نصلي علّ الدولة تقف على رجليها.

لقد كتبت الشّعر الموزون العامي والفصيح لكنك لم تكتب الشعر الحديث. لماذا؟

الشّعر غير الموزون ليس شعراً إنه خواطر منثورة وهي جميلة جداً لكنها ليست شعراً. فالشعر يجب أن يكون موزوناً ومقفّى. فالموسيقى هي العنصر الأساس في الشّعر ، فهل يمكنك أن ترقص من دون موسيقى ؟ لذا الرقص هو تحريك الجسد من خلال الموسيقى ، وهكذا الشعر هو تحريك المشاعر من خلال الكلام والموسيقى ، نحن لسنا ضد من يكتب الخواطر المنثورة ، لكننا ندعوهم إلى ألا يسموها شعراً.

في سنّ الـ 83 ، هل إعتزل وليم حسواني؟

طبعاً لم أعد أقوم بأعمال فنية لأنها تتطلب مجهوداً جسدياً لم أعد قادراً عليه ، إلا أنني ما زلت أشارك في الندوات الأدبية والثقافية.