حتماً وصل البعض في أيامنا هذه إلى قمة الانحطاط الأخلاقي حيث تحوّل العيب في مفهومهم إلى جرأة، والانتقاص من قيمة الناس صراحة، وبات التطاول على البشر أمام القاصي والداني وتحقيرهم وتسفيههم بأتفه العبارات وأكثرها ابتذالاً... شجاعة!.

للأسف، إنتهى زمن التابوهات والممنوعات، ولم تعد (لقلّة الأدب) حدود، وانعدمت أساليب اللياقة واللباقة والأصول، بعدما سمحت مواقع التواصل الاجتماعي لبعض السفهاء بالمسّ بكرامات الفنانين العرب والتعرّض لهم بالإهانة ونعتهم بشتّى أنواع العبارات وأشدها قسوة دون حسيب أو رقيب، أو حتى رادع ديني أو أخلاقي.

منذ أيام قليلة، تمّ نشر فيديو عبر تطبيق انستغرام، وما لبث أن انتشر كالنار في الهشيم بين الناس، ويشير صوت المدعو نادر السالم فيه إلى أن نهيق الحمير يعتبر من أنكر الأصوات وأزعجها، وبناءً على ذلك يجرؤ المعلّق على وضع لائحة (Top 5) تحت مسمّى "أنكر الأصوات العربية"، وهي بحسب الفيديو: في المرتبة الخامسة النجمة شمس الكويتية، في المرتبة الرابعة النجمة اللبنانية هيفا وهبي وتليها زميلتها مايا دياب في المرتبة الثالثة، أما المرتبة الثانية فكانت من نصيب الفنان والملحن الإماراتي فايز السعيد والمرتبة الأولى احتلها سفير الأغنية القطرية علي عبد الستار... باختصار إنها منتهى الوقاحة!.

ألهذه الدرجة اختلط على هؤلاء الأمر واعتقدوا أن مفاهيم الحرية الشخصية والتفلّت من القيود الاجتماعية تتيح لهم تسليط ألسنتهم الملوثة بالحقد والكراهية والغيرة؟ أم أن وراء هذا العمل المشين يختبئ عقل مريض خيّل إليه أن تشويه صورة أعداء الكار والاستهزاء بهم والسخرية من أصواتهم سيؤثر سلباً عليهم فيعتكفون عن الغناء ويلزمون منازلهم؟!.

وبالعودة إلى الفيديو المذكور، يتضح جلياً أن صانعه أراد إصابة الأسماء المذكورة بالتحديد، ولأهداف لا يعرفها سواه ولا تهمّ غيره أساساً، لأنهم بالفعل من خيرة نجوم العالم العربي ونجماته، حتى وإن اختلفوا لناحية الصوت أو العمر أو الخبرة: شمس الكويتية، التي اتخذت لنفسها طريقاً مختلفة وانتفضت بأسلوبها على مجتمعها، تمتلك صوتاً جميلاً سواء أحببنا اختياراتها الفنية أم لا.

أما النجمة هيفا وهبي فهي الحالة الاستثنائية التي لا تتكرر، لم تدعِّ يوماً أنها مطربة لكنها وضعت نصب عينيها هدفاً وصممت على تحقيقه فلم تألُ جهداً في تهذيب صوتها وتدريبه وتطويعه واختيار ما يلائمها ويناسبه، وهذا ما يحسب لها ولذكائها، بينما اختبرت النجمة مايا دياب طعم النجومية من خلال باقة من المواهب التي تجتمع في شخصها فهي ليست مغنية فقط بل مقدمة برامج وممثلة وعارضة أزياء... ببساطة هي مايا دياب.

وعلى المقلب الآخر، لم ينجُ سفير الألحان فايز السعيد من الأذية وذلك على الرغم من أنه فنان حقيقي زرع الحب والمحبة من خلال أعماله وعزف المودة على إيقاع ألحانه ونثر السعادة مع كل مقطع من أغنياته، في وقت حمل سفير الأغنية القطرية علي عبد الستار، ومنذ سنوات طويلة، صوته الرائع وإحساسه العالي لينقلهما عبر العالم العربي ويدخل بهما القلوب بكل شفافية.

مهما ذكرنا من محاسن نجومنا يبقى الكلام قليلاً أمام دناءة ما شهدناه، لذلك سنكتفي بقوله تعالى: "ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا".