شعره نبض حياته والنّفس، وقلمه جناح مسافر إلى فضاءات الوجدان والتأمّل.

إذا أنشد الشّعر سالت من فمه جواهر ودرر الكلام وإذا كتب أبحر في محيطات الزمان والمكان. قجة نسيانه مملوءة ذكريات وتأملات ولا يكسرها إلا لتفيض منها القصائد.

هو الزغيبيّ ومن لا يعرف آل زغيب الذين اقترن اسمهم بالشعر حتى صار هويّتهم. هو الشاعر الياس زغيب الذي ينحت بإزميل فكره منحوتات من الكلمات الشعرية، درس اللغة العربية وآدابها ودرّسها وكان لمعلميها منسّق في عدة مدارس. كما أصدر ديوانين شعريين باللغة المحكية التي تشبهه والتي تعبّر عن نفسه وتساؤلاته وحبّه والمشاعر "جراس الحبر" و"قجّة النسيان".
دقّ أجراس فكره "فربّعها" ونهل من منهل الحبّ والعشق والتأمّلات والحنين فمزج الحبر بالكلام، في هذا اللقاء معه عبر موقع الفن الذي تحدّث فيه عن تجربتيه الشعريتين وعن جمعية "تجاوز" التي شارك في تأسيسها لتصبح حارسةً للشعر وغربالاً للشعراء.

في ديوانك الثاني "قجة النسيان" ما هي علاقته بالوقت ولماذا تعتبره عدوّك؟
الوقت هو عدوّ الإنسان في كل شيء يقوم به، وأنا أعتبر أن الإنسان يأتي إلى هذه الأرض فيركض والوقت يركض أيضاَ. لذا نحن في سباق دائم مع الوقت وأنا أحببت أن أتخطى الوقت بالشعر ليصبح الوقت أصغر من الكلمة التي أكتبها عسى أن أكون قد وفّقت. من هنا جاء عنوان الكتاب "قجّة النسيان" فالقجة بالنسبة لي هي التي أضع فيها الأحداث كلها التي أحبها والوجوه التي أحب أن أتذكّرها وعندما أشتاق إلى هذه الوجوه أكسر القجّة وأرجع إليها. كأنني أقوم بعلاقة أقوى من الوقت مع الأشياء التي أحب أن أتواصل معها.


أنت منسّق للغة العربية ومدرسها ، لماذا تعبّر باللغة العامية ولا تعبّر باللغة الفصحى وهل هي أداة أفضل للتعبير عندك؟
أنا أكتب باللغتين الفصحى والعامية لكن ما نشرته هو باللغة العامية ولدي بعض القصائد الموزونة بالفصحى، لكنني أعتبر أن اللغة المحكية هي الأقرب إليّ وتشبهني أكثر. فاللغات المحكية اليوم هي اللغات الحيّة في حين أن الفصحى محصورة بالمعاملات الرسمية واستخدامها صار أضيق على الرغم من انتشارها.

هل وصلت المحكية إلى مرتبة الفصحى بالنسبة إلى الإنسان العربي؟
ربما العقائد الدينية والإيديولوجيات السياسية والفكرية تجعل العربي يعتبر أن الفصحى هي الأمثل ويجب التمسك بها. لكن في التعبير الفني اللغات المحكية هي الأصدق تعبيراً وفيها مدى أوسع للتعبير.


في ديوان "قجة النسيان" تطرّقت إلى موضوعات عديدة منها الوطن والمرأة والحب والتساؤلات والوجدانيات، أخبرنا أكثر عنه..
في ديوان "قجة النسيان" الموضوعات لها علاقة بالوقت وعلاقتي بالوقت وكيف أتعاطى معها. القضية الأساسية في الديوان الغزل والوجدانيات والتأملات الوجدانية. فعلاقتي بالمرأة في الكتاب هي مرتبطة بالوقت، كيف سأحملها في قلبي على الرغم من البعد والوقت، وهناك علاقة الزمن بالوطن وبي وقصائد وجدانية عديدة لها علاقة بالزمن. أما المرأة في الكتاب فهي المرأة الحبيبة فأنا أكتب قصائد حب وليس غزلاً وهذا ما سيميز قصائد الكتاب الثالث التي ستكون كلها حب بعيدة عن الغزل والشهوة.

بدأت القصيدة العامية مع ​ميشال طراد​ مبتعدة عن الزجل وآخرين، فبم تختلف قصائد المؤسسين لهذه القصيدة عن الشعر المحكي اليوم؟
ميشال طراد هو مؤسس القصيدة المحكية لكنني لن أسمح لنفسي بأن أقارن بين جيل اليوم وجيل الماضي. أما أنا فأعتبر أن الشعر يعيش عصره الذهبيّ اليوم خصوصاً الشعر العاميّ لأننا نجد اليوم شعراء مهمّين جداً على مستوى القصيدة المحكيّة. بالإمكان أن نجد شعراً عادياً لشعراء كبار لكن شعراء اليوم لا يقلّون أهميّة عن شعراء مثل سعيد عقل وميشال طرد.


تشارك في العديد من الأمسيات والندوات الشعرية والجمعيات التي تعنى بالشعر. هل حلّ المنبر مكان الكتاب؟
لا شيء يأخذ مكان الكتاب، فالكلمة عندما تطبع يكتب لها الخلود وتفتح لها أبواب المستقبل لتعيش. كما أن هناك فورة في الأمسيات على مساحة الوطن ونحن نشارك بهذه الأمسيات على امتداد الوطن. اليوم الكلمة تأخذ حقّها فالبعض يفضل الإستماع إلى القصيدة بدل قراءتها في كتاب لأنهم يشعرون بها أكثر سمعياً. لكنني أعتبر أنه يجب طبع القصائد إما عبر الكتب أو الأسطوانات المدمجة كي تبقى أكثر.


هل من الممكن أن تصدر أسطوانة تتضمن قصائد لك مرفقة بكتاب؟
هذا المشروع قيد الدرس حالياً، وكنت سأصدر كتاباً مع أسطوانة لكني أتمهّل بإطلاق الكتب لأنني أحب أن أصدر عملاً يشبهني. لكنني مقتنع بهذه التجربة إلاّ أنني أدرس إصدار الأسطوانة مستقلة أو مرفقة بكتاب.

ما هو الشعر بالنسبة إلى الياس زغيب؟
الشعر بالنسبة لي هو الحياة. أنا أعيش الشعر وأتنفسه وهو يرافقني دائماً لأن انفعالاتي تجاه الأمور أعبّر عنها بالشعر كما الموسيقي يعبّر عنها بالموسيقى. وهو شيء يعيش في داخلك وإلى اليوم الشعر هو أولوية في حياتي.


أخبرنا أكثر عن "جراس الحبر"..
"جراس الحبر" هو ديواني الأول، والتجربة الأولى كان فيه قصائد البدايات التي أعتبرها شعراً وجمعتها في الكتاب ونشرتها. لكن الفترة بين إصدار "جراس الحبر" و"قجة النسيان" طويلة بسبب أنني كنت أبحث عن الهويّة. إلا أن "قجة النسيان" يحمل تجربة جديدة تشبهني أكثر وهو الإنطلاق نحو التجربة الحديثة في شعري.


أسست مع الدكتور ديزيره سقال جمعية أدبية ثقافية هي جمعية تجاوز. ما هي أهداف هذه الجمعية وما هي مشاريعها المستقبلية؟
جمعية "تجاوز" هي جمعية ثقافية فنية تسعى إلى تشجيع الأدب الطليعي عند الشباب والفن الطليعي أيضاً. بدأنا منذ ثلاث سنوات بأمسيات شعرية فنية أسبوعية. الآن هناك استراحة صيفية على أن نعود خلال تشرين بإنطلاقة مميزة إذ إننا سنقدّم الشعر والفن والثقافة بقالب جديد. في البداية ولمدة ثلاث سنوات كانت أمسياتنا تقليدية إلا أننا هذه السنة ستكون لنا نشاطات كبيرة. وكل شهر سنقيم أمسية كبيرة وأمسيات صغيرة كل أسبوع. والنشاط الكبير سيقام على مسرح بلدية جديدة.

إلى أي حد هذه المنتديات والجمعيات تظهر من هم شعراء ومن هم ليسوا بشعراء؟
هنا يجب التحدث عن دور هذه المنتديات وعن مدى قدرتها على التقييم وعن مدى أهليّتها في تقييم الشعر وتصنيف الشعراء. فهناك العديد من المنتديات التي تأسست بسبب الغيرة من منتديات أخر. هذا الأمر ليس صحياً وبالنتيجة الزمن غربال. أما نحن فنحرص على أن نستضيف من هم شعراء فعلاً لأننا ندعو المستمعين وعلينا أن تحترمهم.


في هذا العصر ماذا تضع في "قجة النسيان" لتنساه؟
أنا متفائل جداً ولا أريد أن أنسى شيئاً فالأمور السيئة أحب أن أتذكّرها كي أتعلّم منها والأمور الجيدة أحب أن أتذكّرها لتعطيني أملاً وحافزاً في المستقبل. وأنا لا أرى النصف الخالي من الكأس بل النصف المملوء وأرى أنه على مستوى الشعر نعيش عصر نهضة خصوصاً على مستوى القصيدة المحكيّة. فوفرة المنتديات الشعرية ومواقع التواصل الإجتماعي تظهر الشعراء الجيدين والسيّئين. لكننا يجب أن نتطلّع إلى الشعراء الجيدين لأنهم كثر.