من لا ماضي له، لا حاضر له، العديد من العادات والتقاليد اللبنانية رحلت من دون عودة، الا ان هناك دائماً من يسعى الى ترسيخ المعالم الخاصة ببلده، هناك دائماً من يسعى الى ان يبقى لبنان الأرز شامخاً، ان يبقى "الجرن" حاضراً ، أن يبقى "الشروال" موجوداً، ولكن هذا لا يلغي تمازجه مع الحاضر، الا ان "الشروال" يبقى البقعة الفسيحة التي يرتاح فيها الجسد.

جينو عون​، إبن العربانية، هذه الضيعة البسيطة التي تشربت أصول لبنان وتقاليده ، هو أول شخص يطلق اول عرض ازياء في العالم للشروال اللبناني عبر مجموعته الأولى من الشراويل تحت عنوان "ديرويو" ضمن حفل ضخم في Symposium de Beirut .

إفتتح الحفل بعرض لثلالة أشكال متنوعة : شروال يوسف بك كرم الزغرتاوي، شروال طانيوس شاهين الكسرواني، شروال أبو سمرا غانم الجزيني.

بدأ العرض بالنشيد الوطني اللبناني مع الفنان غبريال عبد النور، وقدّم الحفل الممثل ​يوسف حداد​ الذي كان يلبس شروال يوسف بك كرم، وكانت كلمة للراهبة ​لينا خوند​ من المحترف الفني الانطوني التي شددت على كيفية صنع الشروال ونوعية وجودة الانتاج والتي أكدت ان تاريخ الشروال يعود أساساً للموارنة في لبنان.

وقالت :"ديرويو يخص هوية من لبسوه قديما ومن سيلبسونه من الآن فصاعدا، فعندما كان الرهبان يعملون بالحقل كانوا يرفعون عباءتهم من بين رجليهم ويشكلونها بزنارهم حتى لا تربكهم في العمل، فأتت فكرة الشروال وأيضاً نرى في الصور القديمة عن الموارنة في لبنان وخصوصاً الرهبان أنهم كانوا يلبسون الشروال، نحن اليوم كراهبات جربنا بعملنا ان نختصر الشروال بثلاثة موديلات منطلقة من التراث كي نبني عليه لحضارة ديرويو مستقبلية قابلة للتطور ، واليوم جينو يقدم لنا الشروال الفضفاض الطويل الذي يصل الى الارض شروال يوسف بك كرم الاهدني والشروال الضيق والذي "ليّتُه" قصيرة الذي يعطي حرية في الحركة اكثر هو شروال طانيوس شاهين الريفوني الكسرواني والشروال ذو "الليّة" القصيرة هو شروال ابو سمرا غانم البكاسيني.
نحن خيطنا اليوم الشروال من الاقمشة الموجودة حاليا في السوق مثل الجوخ والترغال ومن الألوان الاساسية التي اعتمدناها ايضاً اللونان الابيض والاسود وطعمناها بألوان البني والرمادي والأحمر الخمري واعتمدنا للخصر "الدكة المزمومة زماً" كاملاً او "دكة" مكسرة في الوسط مع الزم على الاطراف واقتصرت اليوم الزخرفات على البريم المدروز مع خياطة الجنب والجيوب مع التفكير مستقبلاً ان يتكرر هذا الامر إلى زخرفات اكثر واجمل.
اما لماذا هذا العمل يتم في محترف للفن المقدس وعلى ايدي الراهبات الانطونيات فلعدة أسباب :
الأول :ارتباط الدير عبر التاريخ ارتباطاً وثيقاً بالتراث والتطور الحضاري وهذا يبرز دور المحترف بنشر رسالة الفن والحضارة.
الثاني :نحن تعرفنا على جينو حين كنا بدير سيدة قنوبين من هناك ارتبط اسم ديرويو بوادي قنوبين وبراهباته وستقرأون هذا الاسم في البروشور.
السبب الثالث :اهتمامنا بالمحترف زيادة عن الفن الكنسي لإيماننا بالتراث الشعبي والفن الشعبي ، واحب ان اشكر جينو على افكاره الخلاقة وعلى ثقته فينا لنستطيع تطوير العمل اكثر واكثر ، واشكر فريق العمل في المحترف الذي قدم تضحيات كبيرة".

ثم ألقى المخرج جينو عون كلمة عن سبب دخوله في صناعة الشروال اللبناني سارداً تاريخ ابتكار الشروال اللبناني على ايدي الرهبان السريان سنة 450 ميلادي، معتبراً اننا لمَ نقوم دوماً باستيراد افكار الغرب بينما يمكننا تصدير افكارنا وانتاجنا، معتبراً ان الزي اللبناني الوطني كان الى زوال، فإعادة انتاجنا له هو لاعادة الزخم للإرث الثقافي اللبناني، مضيفاً ان مقولة شروال جدي سوف تصبح شروال الشباب عبر موضة والوان جدد سوف تصبح قريباً في الاسواق.

موقع "الفن" كان حاضراً لتغطية الحدث وكان لنا هذا اللقاء مع عون.

ماذا يعني لك الشروال اللبناني، خصوصاً انك ترتديه منذ عشر سنوات؟
هذا الزيّ من ارث أجدادي، ولا يجب التفريط به، واجدادي كانوا أذكياء أكثر منا، علينا ان نعترف قليلاً بهذا الأمر، وليس من المعيب ان نقوم بتقليدهم، ليس كل شيء في الدنيا عبارة عن إنترنت، ونحن نتمى ان نعود ونحيي التراث، لأن التراث اللبناني غالي جداً، وتراثنا هو شرفنا، وهو أصلنا، ولذلك أخذنا على عاتقنا إعادة تصنيع الشروال اللبناني، لأنه "حرام" ان نستورد أفكار الأزياء من الخارج، ونحن الذين صدرنا العديد من الموضة للخارج.

هل من الممكن ان يألف الشاب اللبناني الشروال؟

من الممكن ان لا يكون الشروال يعني للأوروبي واللبناني، ولكن اذا نحن اللبنانيون لم نلتفت للشروال فهذه مشكلة، إضافة الى أن الشروال هو زي وطني، ومن المعيب ان لا نمتلك زياً وطنياً خاصاً بنا، نحن شعب عمرنا 5800 سنة فكيف لا نملك زياً وطنياً؟
هذا الأمر ليس سهلاً، إلا ان الخطوة الأولى تبدأ اليوم الى جانب راهبات وادي قنوبين، وأخذنا على عاتقنا، انه يجب ان نقوم بهذه المحاولة، واتمنى ان يرتديه الجميع، مثلك ومثلي وكل الشباب.

ما سبب إطلاقك على الشروال إسماً سريانياً؟
لغة لبنان الأصلية هي السريانية، من سنة 300 الى سنة 1600 اللغة الرسمية في لبنان هي السريانية، ولا زالت لغة الكنيسة المارونية بشكل أساسي، والسريان هم من أسسوا الشروال اللبناني، ولذلك تقديراً لعملهم أطلقت اسم سرياني ألا وهو "ديرويو".

من زرع فيك هذه الروح خصوصاً انك متمسك بأرضك كثيراً، وقد ظهر هذا الأمر من خلال برنامج "لاقونا علساحة" والآن عودة الى الشروال اللبناني الأصيل؟

منذ أن كان الجيش السوري في لبنان، تعلمنا حب وطنا، نحن من الناس الذين دافعوا عن بلدنا ضد الإحتلال السوري للبنان وسُجنا من أجله، وهذا النضال السياسي من أجل الحرية والسيادة والإستقلال علمنا أن نحب لبنان كثيراً، ولكي نحب لبنان كثيراً لا يجب عليك ان تحب القشور بل يجب عليك حب الأصل، وانا ابن ضيعة إسمها العربانية زرعت فينا حب العادات والتقاليد وحب العائلة، لذلك أخذنا على عاتقنا العديد من الأمور، ولا زلنا نصارع لينطلق.

كلمة أخيرة .
يجب علينا ان لا نخجل من ان نرتدي الشروال، الشروال ليس لأجدادنا فقط بل هو لنا أيضاً ويجب ان يبقى حياً فينا.

وقد حضر حشد كبير من الشخصيات السياسية والدينية والسلك الديبلوماسي ووجوه فنية واعلامية، حيث كان لكل منهم رأيه الخاص بالشروال اللبناني.

الفنانة كارلا بطرسهنأت جينو على خطوته وتمنت ان يكون هناك العديد من الأشخاص الذين يتمسكون بجذورهم مثلها، وتابعت قائلة "نحن بحاجة للعودة الى تراثنا، يجب علينا ان نعلق ببلدنا لأننا ابتعدنا عنه كثيراً، والجميل في الموضوع ان الشروال صحي للجسد، مريح، وهو على الموضة، مثلاً الـ hip hop dancers في أميركا يرتدون الشروال، ونحن يمكننا ان نقوم بهذا الأمر فلمَ لا".

الممثل يوسف حدادقال "كان لي الشرف بأن أمثل شخصيتين من أهم الشخصيات التاريخية في لبنان، هما يوسف بيك كرم وأبو سمرا غانم خلال مسرحيات كبيرة، وكنت ارتدي الشروال حينها، وكنت دائماً ما أقول كيف للإنسان اللبناني او العربي او المشرقي الأصيل أن يتخلى عن الشروال، لأنه مريح جداً ، ومصمم للإنسان اللبناني خصوصاً الجبلي الذي يتعاطى مع الأرض والطبيعة، وهذا الشاب الطيب "جينو" يشعر بأن هناك تخلياً عن تراثنا ومبدئنا، عاد ليقوم بخطوة صغيرة، ليقول ان شراويل أجدادنا كانت وستبقى، وانا متأكد ان الأيام ستثبت هذا الأمر".

الممثل سامي أبو حمدانأشار الى ان الشروال اساس من التراث اللبناني، وان الخطوة التي قام بها جينو مميزة، لأننا الآن بدأنا بإحياء هذا التراث الذي بدأ بالإختفاء، واضاف قائلاً "اننا اليوم عندما نقوم بإحياء هذا التراث فما هو إلا دليل واضح على تمسكنا بأجدادنا وأجداد أجدادنا، فالشروال عمره من عمر لبنان، واليوم عندما يتحمس للشروال اللبناني، فإننا نعطي صورة عن الرجل اللبناني الأصيل.


الممثل ​عماد فغاليانه أحب الفكرة كثيراً، خصوصاً انه هناك تجديداً في الشراويل التي عرضت، وقال "من الجميل ان نحافظ على هذه الأمور رغم العولمة، وهذه الأمور التي ترسخ تراثنا، وهي لفتة جميلة من جينو".

مدير البرامج في إذاعة صوت لبنان - الضبيهشادي معلوف، اكد ان الخطوة التي اتخذها جينو قوية لحفظ التراث اللبناني، وقال "هي خطوة جريئة، لا أعرف لأي مدى، ومن الممكن ان تستمر، وهذه خطوة من شاب لبناني القيام بها لحفظ التراث".
وعن تقبل الشباب اللبناني للموضوع قال معلوف "اذا قامت الفكرة بطريقة جديدة من نوعها فلن يكون هناك رجوع للخلف، واللبناني من أكثر الأشخاص الذين يتمسكون بالأفكار والأمور الغريبة ، حتى وان لم تكن هذه الأفكار لبنانية بحتة، لذلك من المتوقع ان يكون هذه الخطوة حركة جميلة في المجتمع".

هذا وتواجدت عارضة الأزياءميريام كلينكخلال الحفل وكانت ترتدي شروالاً زهرياً حيث أكدت انها من متابعي الموضة، وقالت لنا "احببت الفكرة التي انطلق منها هذا النشاط، خصوصاً من خلال جمع الموضة مع الشروال، وهو تراث لبناني، وجدودنا كانوا دائماً يرتدون الشراويل، فمن الجميل ان نراه اليوم من خلال fashion show خصوصاً وانها المرة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر في لبنان، والشروال ليس فقط لأجدادنا، بل هو لنا أيضاً، وهو مريح جداً للشباب أكثر، والشباب اللبناني سيحبون الفكرة، وأنا سألبس شروال دائماً".

ملاحظة : لتطبيق التقاليد اللبنانية تأخر الحفل 45 دقيقة عن موعد إنطلاقه ، كما سجّل أحد المدعوين من آل مكارم إعتراضه لموقعنا بسبب عدم ذكر الطائفة الدرزية الكريمة على أنها من الطوائف التي حافظت على هذا التقليد منذ أجيال.

لمشاهدة ألبوم الصور كاملاً إضغطهنا.