الأم مدرسة كما وصفها أحد الشعراء العرب، وفي المدرسة يتعلم المرء الكثير، لكن لا بد من درس معين يكون له أثره في مستقبل الإنسان.


وأهل الفن في سورية لديهم أمهات تلقوا منهن دروسا في الحياة، فما هو هذا الدرس الذي يمكن أن يعلق بذاكرة كل شخص.

النشرة تفرد مساحة لمجموعة من أهل الدراما السورية ليذكر كل منهم موقفا محفورا في ذاكرته عن والدته في حياته في الماضي...

التفاصيل...




سوزان نجم الدين​: لن أظلمها بذكر موقف معين

إن أردت تذكر شيء ما فيه فضل لوالدتي عليَّ فسأكون ظالمة لها عن مواقف أخرى.. فوجود أمي في الحياة منذ ولادتي وحتى الآن هو فضل من الله سبحانه وتعالى أولا، ومنها ثانيا، عليّ، فلا شيء يتميز عن شيء آخر في عطاء والدتي لي ولجميع إخوتي.

هل أذكر طفولتي وملاحقة أمي في كل ساعة بل في كل دقيقة حتى أكبر؟..أم أذكر فترة الصبا التي فعلت أمي فيها المستحيل كي نتعلم ونعي ما هو المجتمع وأين الخطأ وأين الصواب فيه؟!!.. أم أذكر المراحل الأخيرة التي تنظر لنا فيها على أننا ما زلنا أطفالا؟!!...

وجود أمي فضل، وحضورها، كله، كتلة واحدة منذ الولادة، وسيستمر ذلك للأبد.





سامر المصري​:

درس بليغ تعلمته من أمي العظيمة لكني لم أدركه إلا عندما كبرت، فعندما حصل كنت صغيرا بعض الشيء وشعرت وقتها بأنني ضحية.

كان ذلك في المرحلة الابتدائية، وأذكر أو والدتي كانت قد اشترت لي في طريقها إلى المنزل سندويشة مميزة بالنسبة لي، وعندما وصلت إلى المنزل كنت ألعب أمام المنزل مع ابن جيراني وهو يتيم الأب وأمه فقيرة جدا، فطلب منها السندويشة، فلم تقسمها بيني وبينه بل أعطته إياها كلها وحرمتني منها إلى اليوم التالي لأن الوقت كان قد تأخر ولم يعد بالإمكان الذهاب مجددا إلى المطعم الواقع بعيدا عنا بعض الشيء. بكيت كثيرا لحظتها فلم تهتز كثيرا بل كانت تؤكد لي بأن اليتيم أحق مني بالسندويشة وأنني عندما أكبر سأعي ذلك وبأنني سأفعل مثلها.

كبرت وأيقنت بان ما فعلته أمي كان إيثارا حيث أنها ارتضت أن يبكي ولدها مقابل ألا ينام فقير وفي عينه سندويشة قد لا يتوفر ثمنها في بيته... كل عام وأمي وأمهات الناس بألف ألف خير.





جيني إسبر​:

عيد الأم​ لهذا العام له طعم آخر بالنسبة لي كوني أقترب من أن أصبح أماً، ولهذا يزداد شعوري بأمي عنه في السنوات الماضية.

كثيرة هي المواقف التي يمكن لي أن أذكرها لأمي في هذا اليوم، لكني أستطيع أن أختار الموقف المفصلي في حياتها، فأمي أوكرانية تركت أهلها وبلدها وجاءت إلى سورية لتعيش في بلد آخر بعادات أخرى وتقاليد مختلفة وكذلك بلغة جديدة وكل ذلك كي تبقى معنا، وباعتقادي هذا أكبر أمر يمكن أن يضحي به الإنسان.

أمي هي التي لا يمكن أن تجرحني أو تغضبني فهمّها الأكبر هو أن أكون سعيدة، وفي يومها هذا أقول لها: كل عام وأنت بخير يا أمي.

وأتمنى أن تتخلص أمنا الكبرى، سورية، مما هي فيه الآن، وأن يعود الوئام بين أبنائها، وكل عام ووطني وأرضي وتراب بلدي بألف خير.





خالد القيش​: زيارتها لي من بلدي المحتل

لحكايتي مع أمي قصة مختلفة تماما عن قصة غيري مع أمه، فأنا غادرت بيت أهلي في الجولان السوري المحتل قبل 15 عاما للدراسة في دمشق فأقمت هنا ولم أعد إلى هناك.

كل يوم من أيام السنوات الخمس عشرة كان ذنبا أقترفه بحق والدتي العظيمة التي سامحتني على رحيلي واكتفت برؤيتي عبر شاشة التلفزيون. سماح أمي لي هو الفضل الأول وهو ذو عمر طويل بلغ 15 عاما!!.

الموقف الذي يعلق بذاكرتي هو يوم جاءت أمي برغم تقدمها في السن إلى سورية قبل عامين من الآن لزيارتي بعد سماح الاحتلال لها بزيارة لأربعة أيام.. نعم، هنا فضّلت أمي علي بأن جاءت ومعها دموع الدهر لتراني.. فما عساي أقول؟!!






لينا دياب​:

أسجل موقفا لأمي ساعدتني به على تغيير مجرى حياتي، إذا لم يكن والدي موافقا تماما على تغيير دراستي من الأدب العربي إلى التمثيل وكثيرا ما كان يؤكد لي أنه يرغب برؤيتي خريجة أدب عربي.

لكن أمي لعبت دورها الإيجابي معي حيث ركزت على ضرورة أن أدرس المجال الذي أحبه كي أبدع فيه وكان لها دور إيجابي في إقناع والدي بالموافقة على دخولي عالم التمثيل.

وهذا الموقف لأمي لا يمكن أن أنساه، بل إنه الموقف الذي بفضله أقف اليوم هنا لأصرح لها عبر الإعلام بما قدمته لي لأنها أسهمت في انطلاقتي نحو عالم رحب يصبح فيه الإنسان معروفا من قبل كل الناس.

أقولها من قلب مفعم بحبها: كل عام وأنت بألف خير يا أمي.





تولاي هارون​: حرب 1973 تحت السرير

أمي هي أنا، وأنا هي أمي.. أتمنى لو عشت يوما لأراها أماً.. فهي في الحقيقة، صديقة عزيزة على قلبي أتواصل معها من منطلق صداقة عميقة تقوم بيني وبينها.

لا بد من استذكار موقف يعود للعام 1973 وكنت طفلة وعندها اندلعت الحرب العظيمة بين بلدي سورية والعدو الإسرائيلي وكنا نقيم في محافظة اللاذقية حيث قامت أمي أثناء تحليق الطيران الحربي الصهيوني فوق سماء اللاذقية بحملنا أنا وشقيقين لي ( لم تكن أختي دينا قد ولدت بعد)، حملتنا بذراعيها وذهبت بنا إلى تحت السرير وانبطحت معنا تحته. واللافت في الأمر أن أمي كانت قد هيأت هذا المشهد قبل ذلك حيث مدت قبل ساعات السجادة تحت السرير كي لا نشعر بالبرد حين ننام تحته.

هذه أمي.. حامية لنا فوق طاقتها في الصغر وصديقة وفية في الكبر، وأتمنى لو أصل إلى ربع عطائها مع أولادي رغم أنني أقلدها بكل شيء.



صفاء سلطان​: مدينة لها بكل شيء

لولا أمي لتركت الفن لأجل ابنتي " أملي" منذ ولدتها...

فالتصوير يتطلب ساعات عمل كثيرا ما تستغرق اليوم كله، وبالتالي، ستبقى أملي بعيدة عني أو أبقى بعيدة عنها، وفي ظروف كهذه يتوجب رعاية الطفلة بشكل احترافي، وأنا لست ممن يفضلون تربية الطفل على أيدي خادمات آسيويات لأن للطفل بيئة إنسانية يجب أن يعيش فيها.

وهنا تتصدى أمي للموقف باستمرار حيث تقوم وعلى الدوام بسد غيابي بحضورها الآثر والنقي فتحتضن أملي طوال فترة غيابي، وهكذا أصبح غير قلقة بشأن ابنتي لكون الحضن الذي تفترشه هو حضن دافئ جربته أمها قبل ذلك بسنوات طويلة.

أمي كل شيء في الحياة هي البداية والنهاية.. لا شيء يعلوها بل هي سراطي المستقيم في هذه الحياة.



سليم صبري​: التكنولوجيا قبل أوانها...

كنا أطفالا وكانت أمي قبل عقود طويلة من مجيء التكنولوجيا المتطورة، تشبه آلة تكنولوجية في التعاطي معنا كمادة تقنية يجب تقديمها للناس بالصورة الحضارية، تماما كأية آلة تكنولوجية اليوم.

وقت أمي كان 48 ساعة لليوم الواحد وليس 24 ساعة.. أذكر أنها لم تكن تنام ولو لدقيقة واحدة في اليوم، ولفترات طويلة... فنحن الصغار نشغلها نهارا ومساء وأبي وجدي وجدتي كانوا يشغلونها ما تبقى من وقت.

أكبر موقف أحفظه لأمي ولا يمكن لي أن أنساه هو عندما قامت وأنا في سن مبكرة ببيع أدوات من المنزل لتوفر لي ثمن راديو لأستمع للإذاعات نتيجة اهتمامي في وقت مبكر بالإعلام والغناء والتمثيل، وكان ثمن جهاز الراديو باهظا لكنها تخلت عن الكثير من الأغراض المنزلية كي لا تبقيني حالماً بهذه الأداة التكنولوجية الرهيبة في حينها.

كل عام وأمهات العالم بألف خير وأمهات سورية نحو عام مقبل يكون الهدوء قد ساد أرجاء البلاد من أقصاها إلى أقصاها.





قمر الزمان علوش​ "كاتب سيناريو":

قبل عشر سنوات مرضت والدتي بالقلب وكانت قد تجاوزت الثمانين من العمر، فقرر قسم من أطباء الجامعة اليسوعية في بيروت أن يجروا عملا جراحيا لها لكن نتائجه غير مضمونة، ووقف قسم آخر من الأطباء ضد قرار العملية. جلسنا، أنا وإخوتي، في البيت نناقش فيما بيننا أمر العملية فسمعتنا نتحدث بشيء تجهله هي، فاستدعتنا للتحقيق، فأخبرناها، بعد إصرارها، بأننا نناقش احتمال إجراء عملية جراحية لها بالقلب. سألتنا: ما هي تكاليف هذا العمل الجراحي؟، فحاولنا إخفاء الرقم، لكنها أقسمت علينا بأن نقول الصدق فقلنا لها بأنه رقم يقع بين 400ألف و600ألف ليرة سورية.

قالت لنا: أعطوني هذا المبلغ لأوزعه على الفقراء ومتى جاء الموت فأهلا وسهلا به لأنني عشت ثمانين عاما وشبعت من الحياة. استجبنا لطلبها وأعطيناها المبلغ، فوزعته على جمعيات خيرية وعائلات معدمة ماديا. والآن وبعد مضي عشر سنوات، ها هي والدتي تتجاوز التسعين عاما من العمر وتتمتع بصحة جيدة والحمد لله. هذا موقف لا يمكن أن أنساه لوالدتي التي أرادت الحياة للآخرين فعاشت هي وهم معا حتى يومنا هذا.





نزار أبو حجر​:

ما قامت به والدتي تجاهي لا يمكن أن تقوم به أي أم أخرى لو كنت ابنا لامرأة غيرها، فأنا وكما هو معروف تأخرت كثيرا حتى محوت أميتي ( كان عمري 15 عاما)، ولم أنل شهادة الإعدادية إلا في الثامنة عشرة من العمر وبعدها نلت الثانوية في سن الـ24 ودخلت الجامعة وتخرجت من قسم الفلسفة ونلت شهادة الدكتوراه فيما بعد.

في تلك السنين العجاف علينا كعائلة، ماديا طبعا، كانت والدتي قد قررت حين كنت في الخامسة عشرة من العمر أنه علي أن أتوقف عن بيع العلكة في الشارع، وأنه علي أن اذهب لأتعلم مثلي مثل كل الناس، غير آبهة بتقدمي في السن عن طلاب المدارس. وكان هدفها في ذلك أن تعوض البؤس الذي ساد حياتي في الطفولة بعد وفاة والدي في وقت مبكر.

ذهبت والدتي للعمل من أجلي وراحت توفر لي كل مستلزمات التعليم وكثيرا ما كانت تمنع عن نفسها ثمن الدواء لكي تحضر الخرجية اليومية لي كي لا أكون أقل من غيري بين الطلبة. وبعد ذلك منّيت النفس أن تبقى في الحياة لسنوات كي تراني متعلما فكانت النتائج أعلى بكثير مما توقعنا أنا وهي، حيث أصبحت مدرسا في الجامعة لفترة ومديرا للمسرح في سورية لفترة أخرى. وكل ذلك تحقق في سنوات متقدمة بالعمر بالنسبة لي، وهو أمر ما كان ليتم لو كانت أمي مستسلمة للأمر الواقع، وأحمد الله أنها شاهدت بعينها ابنها وهو يحقق تلك النجاحات.