نستعيد في مثل هذا اليوم من كل عام ذكرى شهداء الصحافة، التي قضّت كلمتهم الحرة مضجع الحكام الجائرين، فكانت سلاحاً ذا حدين حاربوا به الظلم وأدى إلى استشهادهم.


6 أيار 1916 كان بداية سلسلة تصفية الصحافيين من الأخوين محمصاني لقافلة من الشهداء في 21 آب 1915، مع محمد المحمصاني ومحمود المحمصاني وعبد الكريم الخليل وعبد القادر الخرسا ونور الدين القاضي.
وفي 6 أيار 1916 الشيخ أحمد طبارة وسعيد فاضل عقل وعمر حمد وعبد الغني العريسي وعارف الشهابي وباترو باولي وجورجي حداد.
أما القافلة الثالثة في 5 حزيران وهي امتداد للقافلة الثانية فضمت أسماء فيليب وفريد الخازن.


ثم كانت شهادة نسيب المتني في ثورة 1958 وكامل مروة وادوار صعب وسليم اللوزي ورياض طه وسهيل طويلة وحسين مروة وصولا إلى آخر شهداء القلم، الصحافيين سمير قصير وجبران تويني اللذين خطيا بالدم مسيرة لبنان الحر العصي على الطغيان.

والمؤسف، أنه تحل علينا الذكرى هذا العام وما زالت حرية الصحافة تعاني من التقييد، وما زال الصحافيون يعانون من القمع والاعتقال وحتى حجز الحرية والدعاوى القضائية اذا ما تجرأوا على انتقاد أي سياسي والمساهمة في نشر الوعي بين الشعب على الفساد المستشري في البلد.
وفي زحمة بعض الأقلام المأجورة، يعج لبنان بصحافيين أجلاء ما زالت كلمتهم تفتح أبواب الأمل لغد لبنان المشرق، علهم في غمرة موجة التهديدات بإقفال الصحف يحصلون أدنى حقوقهم في عيش كريم وأمان وظيفي في زمن رديء يعيشه اللبنانيون.

وفي عصرنا هذا بعد مطالبات ونضال طويل في سبيل الحرية والديمقراطية والكرامة ما زال هناك صحافيون يعيشون عوزاً وفقراً وذلاً إما بسبب تقدمهم في السن وانسداد أبواب العمل في وجههم أو بسبب البطالة، ومنهم من مات بسبب الجوع، وخير مثال على ذلك الصحافي والناقد والسيناريست الراحل نصري عكاوي الذي عمل في جريدة البيرق والذي أنهى حياته بعدما غرق في ديونه وبات لا يستطيع الاستمرار بالعيش بكرامة، لازم بيته لعامين بعدما سدت في وجهه كل أبواب العمل بحجة أنه "كبر على مهنته" وفي لحظة ما، لم يعد قادراً على سد الرمق وتأمين ثمن حبة الدواء لشقيقته المريضة التي كان هو مسؤولا عنها فرمى بنفسه من شرفة منزله في البوشرية لينهي فصولاً من عذاب صحافي وهب عمره للكلمة ولمهنة المتاعب، حتى جنازته لم يحضرها أحد من المسؤولين أو نقابة الصحافة عدا عن عدد قليل من معارفه.

وأخيراً عاش الصحافيون منذ فترة حالة قلق مرعب من إمكانية صرفهم من عملهم، بعدما ترددت أخبار عن إمكانية إقفال صحف عريقة مثل السفير والشرق واللواء كما أن بعض الصحف عانت أزمات مادية منها أدى إلى توقفها مثل جريدة لسان الحال العريقة التي توقفت عن الصدور عام 1984 والتي تأسست عام 1877 واكتسبت رضى القراء منذ نشأتها وفي أثناء الحرب الأهلية 1975 سرقت مكاتب ومحتوياتها فكانت صدمة نفسية ومادية، وتوقفت عن الصدور فعاد رئيس تحريرها جبران حايك من جديد وقصرها على عدد من الصفحات تحفزاً لاطلاقها بحلة جديدة، ولكن الأماني تبخرت و توقفت

"لسان الحال" بعد مئة سنة وأكثر من المصداقية والكلمة الحرة والعمل ويعزو البعض السبب إلى نقص الأموال، ثم وتوفي صاحبها جبران حايك صباح يوم الاثنين 12 تشرين الأول 1992.

ومن الصحافيين من فقد في ظروف غامضة كالصحافي اللبناني سمير كساب الذي يعمل في قناة " سكاي نيوز" وخطف منذ 15 تشرين الأول 2013، في سوريا، ولم يعرف مصيره حتى الآن والمستغرب أن هناك صمتاً رسمياً على قضيته، فالصحافيون صناع المستقبل، طالما بقيت الكلمة ، حين ينتصر القلم على الجرح ليخط ثورة وعي جيل جديد يعمّد بناء لبنان الحلم.